كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 624
ذلك ) وما نحن ( وأغرقوا في النفي فقالوا : ( بمبعوثين ) أي بعد أن نموت ، وما رؤيتنا لما رأينا قبل هذا من البعث إلاّ سحر لا حقيقة له ، ولم ينفعهم مشاهدة البعث بل ضرتهم ، هذا محتمل وظاهر ، ولكن الأنسب لسياق الآيات قبل وبعد أن يكون هذا حكاية لقولهم له ( صلى الله عليه وسلم ) في هذه الدار عطفاً على قوله
77 ( ) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ( ) 7
[ الأنعام : 8 ] على الوجه الأول ، وقوله : ( ولو ترى ( متصل بذلك ، أي قالوا هذا القول لما أخبرتهم بالبعث ، فساءك ذلك من قولهم والحال أنك لو رأيت اعترافهم به إذا سألهم خالقهم لسرك ذلك من ذلهم وما يؤول إليه أمرهم ، وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم ذلك ، وقولُه : ( إذ وقفوا على ربهم ( مجازاً عن الحبس في مقام من مقامات الجلال بما اقتضاه إضافة الرب إليهم ، أي الذي طال إحسانه إليهم وحلمه عنهم ، فأظهر لهم ما أظهر في ذلك المقام من تبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم ، وأطلعهم بما يقتضيه أداة الاستعلاء - على ما له سبحانه من صفات العظمة من الكبرياء والانتقام من التربية إذ لم يشكروا إحسانه في تربيتهم ، وسياق الآية يقتضي أن يكون الجواب : لرأيتهم قد منعتهم الهيبة وعدم الناصر وشدة الوجل من الكلام ، فكأن سائلاً قال : المقام يرشد إلى ذلك حتى كأنه مشاهد فهل يكلمهم الله لما يشعر به التعبير بوصف الربوبية ؛ قيل : نعم ، لكن كلام إنكار وإخزاء وإذلال ) قال أليس هذا ) أي الذي أتاكم به رسولي من أمر البعث وغيره مما ترونه الآن من دلائل كبريائي ) بالحق ) أي الأمر الثابت الكامل في الحقية الذي لا خيال فيه ولا سحر ) قالوا ) أي حين إيقافهم عليه ، فكان ما أراد : ( بلى ( ، وزادوا على ما أمروا به في الدنيا القسم فقالوا : ( وربنا ) أي الذي أحسن إلينا بأنواع الإحسان ، وكأن كلامهم هذا منزل على حالات تنكشف لهم فيها أمور بعد أخرى ، كل أمر أهول مما قبله ، ويوم القيامة - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما - ذو ألوان : تارة لا يكلمهم الله ، وتارة يكلمهم فيكذبون ، وتارة يسألهم عن شيء فينكرون ، فتشهد جوارحهم ، وتارة يصدقون كهذا الموقف ويحلفون على الصدق .
ولما أقروا قهراً بعد كشف الغطاء وفوات الإيمان بالغيب بما كانوا به يكذبون ، تسبب عنه إهانتهم ، فلذا قال مستأنفاً : ( قال ) أي الله مسبباً عن اعترافهم حيث لا ينفع ، وتركهم في الدنيا حيث كان ينفع ) فذوقوا العذاب ) أي الذي كنتم به توعدون ) بما كنتم تكفرون ) أي بسبب دوامكم على ستر ما دلتكم عليه عقولكم من صدق رسولكم ، ولا شك أن الكلام - وإن كان على هذه الصورة - فيه نوع إحسان ، لأنه أهون من التعذيب مع الإعراض في مقام
77 ( ) اخسؤوا فيها ولا تكلمون ( ) 7
[ المؤمنون : 108 ] ولذلك كان ذلك آخر المقامات .

الصفحة 624