كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 627
هو دأت المعاند المغلوب ، وأن ذلك يحزنه ( صلى الله عليه وسلم ) لما جبل عليه من الحياء والشهامة والصيانة والنزاهة ، كان الحال محتاجاً إلى التسلية فقال تعالى : ( قد نعلم ( والمراد بالمضارع وجود العلم من غير نظر إلى زمان ، وعدل عن الماضي لئلا يظن الاختصاص به ، فالمراد تحقق التجدد لتعلق العلم بتجدد الأقوال ) إنه ليحزنك ) أي يوقع على سبيل التجديد والاستمرار لك الحزن على ما فاتك من حالات الصفاء التي كدرها ) الذي يقولون ) أي من تكذيبك ، فقد علمنا امتثالك لأوامرنا في إسماعهم ما يكرهون من تنزيهنا ، وعلمنا ردهم عليك بما لا يرضيك ، وعلمنا أنه يبلغ منك ، فلا تحزن لأن من علم أن ربه يرضي المطيع له ويجزي عاصيه ، وهو عالم بما ينال المطيع في طاعته لا ينبغي أن يحزن بل يسر ، وهو كقوله تعالى في سورة يس
77 ( ) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ( ) 7
[ يس : 76 ] ولا شك أن الحزن عند وقوع ما يسوء من طبع البشر الذي لا يقدر على الانفكاك عنه ، فالنهي عنه إنما هو نهي عما ينشأ عنه من الاسترسال المؤدي إلى الجزع المؤدي إلى عدم الصبر ونسيان ما يعزي ، فهو من النهي عن السبب للمبالغة في النهي عن المسبب ، وما أنسب ذكر ما يحزن بعد تقرير أن الدنيا لأهلها لعب ولهو وأن الآخرة خير للمتقين ، ومن المعلوم أنهما ضدان ، فلا تنال إحداهما إلاّ بضد ما للأخرى ، فلا تنال الآخرة إلا بضد ما لأهل الدنيا من اللعب واللهو ، وذلك هو الحزن الناشئ عن التقوى الحامل عليها الخوف كما روي في حديث قدسي ( أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ) .
ولما أخبره سبحانه بعلمه بذلك ، سبب عنه قوله : ( فإنهم ) أي فلا يحزنك ذلك فإنهم ) لا يكذبونك ( بل أنت عندهم الأمين ، وليكن علمنا بما تلقى منهم سبباً لزوال حزنك ، وكذا إخبارنا لك بعدم تكذيبهم لك ، بل أنت عندهم في نفس الأمر أمين غير متهم ولكنهم لشدة عنادهم ووقوفهم مع الحظوظ وعجزهم عن جواب يبرد غللهم ويشفي عللهم ينكرون آيات الله مع علمهم بحقيتها ، فليخفف حزنك لنفسك ما انتهكوه من حرمة من أرسلك ، والآية من الاحتباك : حذف من الجملة الأولى - إظهاراً لشرف النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأدباً معه - سبب الحزن ، وهو التكذيب لدلالة الثانية عليه ، ومن الثاني النهي عن المسبب لدلالة الأولى عليه ؛ روى الطبري في تفسيره عن السدي أنه لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة إن محمداً ابن أختكم ، وأنتم أحق من كف عنه ، فإنه إن كان نبياً لم تقاتلوه اليوم ، وإن كان كاذباً كنتم أحق من كف عن ابن أخته ، قفوا

الصفحة 627