كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 630
فقال : ( ولو شاء الله ) أي الذي له العظمة الباهرة والقدرة الكاملة القاهرة ) لجمعهم على الهدى ) أي لأن قدرته شاملة ، وإيمانهم في حد ذاته ممكن ، ولكنه قد شاء افتقراقهم بإضلال بعضهم ؛ ولما كان ( صلى الله عليه وسلم ) - بعد إعلام الله له بما أعلم من حكمه بأن الآيات لا تنفع من حتم بكفره - حريصاً على إجابتهم إلى ما يقترحونه رجاء جمعهم على الهدى لما طبع عليه من مزيد الشفقة على الغريب فضلاً عن القريب ، مع ما أوصاه الله به ليلة الإسراء من غير واسطة - كما أفاده الحرالي - من إدامة الشفقة على عباده والرحمة لهم والإحسان إليهم واللين لهم وإدخال السرور عليهم ، فتظافر على ذلك الطبع والإيصاء حتى كان لا يكف عنه إلا لأمر جازم أو نهي مؤكد صارم ، سبب عن ذلك قوله : ( فلا تكونن ( فأكد الكلام سبحانه ليعلم ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قد حتم بافتراقهم ، فيسكن إلى ذلك ويخالف ما جبل عليه من شدة الشفقة عليهم ) من الجاهلين ) أي إنك أعلم الناس مطلقاً ولك الفراسة التامة والبصر النافذ والفكرة الصافية بمن لم تعاشره ، فكيف بمن بلوتهم ناشئاً وكهلاً ويافعاً فلا تعمل بحجة ما أوصاك الله به من الصبر والصفح ، وجبلك عليه من الأناة والحلم في ابتغاء إيمانهم بخلاف ما يعلم من خسرانهم ، فلا تطمع نفسك فيما لا مطمع فيه ، فإن ما شاءه لا يكون غيره ، فهذه الآية وأمثالها - مما في ظاهره غلظة - من الدلالة على عظيم رتبته ( صلى الله عليه وسلم ) ومن لطيف أمداح القرآن له - كما يبين إن شاء الله تعالى في سورة التوبة عند قوله تعالى
77 ( ) عفا الله عنك ( ) 7
[ التوبة : 43 ] .
ولما أفهم هذا القضاء الحتم أنه قد صار حالهم حال من حتم بالموت ، فلا يمكن إسماعه إلا الله ، ولا يمكن أن يستجيب عادة ، قال : ( إنما يستجيب ) أي في مجاري عاداتكم ) الذين يسمعون ) أي فيهم قابلية السمع لأنهم أحياء فيتدبرون حينئذ ما يلقى إليهم فينتفعون به ، وهؤلاء قد ساووا الموتى في عدم قابلية السماع للختم على مشاعرهم ) والموتى ) أي كلهم حساً ومعنى ) يبعثهم الله ) أي الملك المحيط علماً وقدرة ، فهو قادر على بعثهم بإفاضة الإيمان على الكافر وإعادة الروح إلى الهالك فيسمعون حينئذ ، فالآية من الاحتباك : حذف من الأول الحياة لدلالة ) الموتى ( عليها ، ومن الثاني السماع لدلالة ) يسمعون ( عليه .
ولما قرر أن من لا يؤمن كالميت ، حثاً على الإيمان وترغيباً فيه ، وقدر قدرته على البعث ، خوَّفَ من سطواته بقوله : ( ثم إليه ) أي وحده ) يرجعون ) أي معنى في الدنيا فإنه قادر على كل ما يشاء منهم ، لا يخرج شيء من أحوالهم عن مراده أصلاً وحساً بعد الموت ، فيساقون قهراً إلى موقف يفصل فيه بين كل مظلوم وظالمه .
ولما سلاه ( صلى الله عليه وسلم ) فيما أخبرته من أقوالهم بما شرح صدره وسر خاطره ، وأعلمه