كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 647
مفاتيحها وعلم كيف يفتح بها ، فإثبات ذلك في هذا الأسلوب من باب الترقية في مراقي الإعتقاد من درجة كاملة إلى أكمل منها ، فقال عاطفاً على معنى ما سبق ، وهو : فعنده خاصة جميع ذلك : ( وعنده ) أي وحده ) مفاتح الغيب ) أي التي لا يدرك الغيب إلا من علمها .
ولما كان معنى ذلك الاختصاص ، صرح به في قوله : ( لا يعلمها إلا هو ( وتخصيصها بالنفي دون الخزائن دال على ما فهمته من أن التقييد فيها ب ( لكم ) يفهم أنه يجوز أن نقول ذلك للمؤمنين .
ولما ذكر علم الغيب ، أتبعه علم الشهادة ، لأن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام إلا للكُمَّل من الأنام الذين تجردوا فتعودوا استحضار المعقولات المجردة ، والقرآن إنما أنزل لنفع جميع الخلق : الذكي منهم والغبي ، فكان ذكر المحسوسات الداخلة تحت القضية العقلية الكلية معيناً على تصور ذلك المعقول ورسوخه في القلب ، فقال مؤكداً لهذا المعقول الكلي المجرد بمثال داخل تحته يجري مجرى المحسوس ، وعطفُه بالواو عطفَ الخاص على العام إشارة إلى تعظيمه فقال : ( ويعلم ما في البر ( وقدمه لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما بها من الحيوان والنبات النجم وذي الساق والمعادن ) والبحر ( وأخره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل وإن كان الحس يدل على أن عجائبها أكثر ، وطولها وعرضها أعظم ، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب ، فكان هذا الأمر المحسوس مقوياً لعظمة ذلك الأمر المعقول .
ولما ذكر ما يعم الثابت والمنتقل : خص المنتقل تنصيصاً على الجزئيات وتعظيماً للعلم بتعظيم المعلومات فقال : ( وما تسقط ( وأغرق في النفي بقوله : ( من ورقة ( ونكرها إتماماً للتعميم ) إلا يعلمها ( ولما ك ان هذا مع عظمه ظاهراً ، ذكر ما هو أدق منه فقال : ( ولا ) أي وما من ) حبة ( ودل على أن الأرض ليس لها من نفسها نور تنبيهاً على ما أودع هذا الآدمي المكوّن منها من الغرائب بقوله : ( في ظلمات الأرض ) أي ولو كان في أقصى بطنها ، فكيف بماهو في النور وهو أكبر من الحبة .
ولما خص ، رجع إلى التعميم رداً للآخر على الأول فقال : ( ولا رطب ولا يابس ) أي وجد أو لم يوجد أو سيوجد ) إلا في كتاب مبين ) أي موضح لأحواله وأعيانه وكل أموره وأحيانه ، فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان ، لأنه وحده عالم بجميع المعلومات ، ومن اختص بعلم جميع المعلومات كان مختصاً بصنع جميع المصنوعات قادراً على جميع المقدورات .