كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 650
ولما تعرف بأفعاله وشؤونه حتى اتضحت وحدانيته وثبتت فردانيته ، ذكرهم أحوالهم في إقرار توحيده وقت الشدائد والرجوع عن ذلك عند الإنجاء منها ، فكانوا كمن طلب من شخص شيئاً وأكد له الميثاق على الشكر ، فلما أحسن إليه بإعطائه سؤله نقض عهده وبالغ في الكفر ، وذلك عندهم في غاية من القبائح لا توصف فقال : ( قل ) أي لهؤلاء الذين يدعون محاسن الأعمال ) من ينجيكم ) أي كثيراً وعظيماً ) من ظلمات البر والبحر ) أي حيث لا هداية لكم بنجم ولا جبل ولا غيرهما ، أإو عبر بالظلمات عن الكروب التي بلغت شدتها إلى أن صاحبها يكون كأنه في أشد ظلام ، فهو بحيث إنه لا يهتدي فيها إلى وجه حيلة بنوع وسيلة ) تدعونه ) أي على وجه الإخلاص له والتوحيد والإعراض عن كل شرك وشريك لزوال الحظوظ عند إحاطة الرعب واستيلائه على مجامع القلب ، فلا يقى إلا الفطرة السليمة ؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي : ( تضرعاً ) أي مظهرين الضراعة ، وهي شدة الفقر ، وحقيقته الخشوع ) و ( قوله : ( خفية ) أي تخفون في أنفسكم مثل ما تظهرون ؛ قال شمر : يقال : ضرع له وهو ضارع بيّن الضراعة ، وهؤلاء قوم ضرع ، أي أذلاء ، وهم ضرعة أي متضرعون ، والتضرع إلى الله : التخشع إليه والتذلل ، وإذا كان الرجل مختل الجسم قلت : إنه لضارع الجسم بيّن الضروع ، وفي الذل بين الضراعة - انتهى .
ولما بين وصفهم وقت الدعاء ، بين قولهم إذ ذاك فقال : ( لئن أنجانا من هذه ( فأكدوا وخصوا وبينوا غاية البيان ) لنكونن من الشاكرين ) أي العريقين في الشكر ؛ ولما كانوا مقرين بأن فاعل ذلك هو الله ، ولكنهم يكفرون نعمته ، عدوا منكرين فأمره بالجواب غي رمنتظر لجوابهم بقوله : ( قل الله ) أي الذي له جميع العظمة ) ينجيكم منها ) أي من تلك الشدة ) ومن كل كرب ) أي وقعتم فيه ، وما أعظم موقع قولُه : ( ثم أنتم ( مع التزام الإخلاص في وقت الكرب ومع التزام الشكر تشركون ( مشيراً إلى استبعاد نقضهم بأداة التراخي مع ما فيه من الجِناس لما كان ينبغي لهم من أنهم يشكرون .
ولما كانوا بإشراكهم كأنهم يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالاً لا يعوده ، وكان اللائق بهم دوام التذلل إما وفاء وإما خوفاً ، أخبرهم ترهيباً لهم من سطوته وتحذيراً من بالغ قدرته أن شدتهم تلك التي أذلتهم لم تزل في الحقيقة ، فإن قدرة الملك عليها حالة الرخاء كقدرته عليها في وقتها سواء ، فإنه خالق الحالتين وأسبابهما وما فيهما ، ولكنهم عمي الأبصار أجلاف الطبائع فقال : ( قل هو ) أي وحده ) القادر ( ولم يصغه صيغة