كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 660
ولما بصرهم قصور صغير الكواكب ، رقي النظر إلى أكبر منه ، فسبب عن الإعراض عن الكواكب لقصوره قولَه : ( فلما رأى القمر بازغاً ) أي طالعاً أول طلوعه ؛ قال الأزهري : كأنه مأخوذ من البزغ الذي هو الشق ، كأنه بنوره يشق الظلمة شقاً ) قال هذا ربي ( دأبَه في الأولى .
ولما كان تأمل أن الكوكب محل الحوادث بالأفول قد طرق أسماعهم فخالج صدورهم ، قال : ( فلما أفل قال ( مؤكداً عاية التأكيد ) لئن لم يهدني ربي ) أي الذي قدر على الإحسان إليّ بالإيجاد والتربية لكونه لا يتغير ولا شريك له بخلق الهداية في قلبي ، فدل ذلك على أن الهداية ليست إلى غيره ، ولا تحمل على نصب الأدلة ، لأنها منصوبة قبل ذلك ، ولا على معرفة الاستدلال فإنه عارف به ) لأكونن ) أي بعبادة غيره ) من القوم الضالين ( فكانت هذه أشد من الأولى وأقرب إلى التصريح بنفي الربوبية عن الكواكب وإثبات أن الرب غيرها ، مع الملاطفة وإبعاد الخصم عما يوجب عناده .
ولما كان قد نفي عن الأجرام السماوية ما ربما يضل به الخصم قال : ( فلما رأى ) أي بعينه ) الشمس بازغة ) أي عند طلوع النهار وإشراق النور الذي ادعوا فيه ما ادعوا ) قال ( مبيناً لقصور ما هو أكبر من النور وهو ما عنه النور ) هذا ( مذكراً إشارتَه لوجود المسوغ ، وهو تذكير الخبر إظهاراً لتعظيمها إبعاداً عن التهمة ، وتنبيهاً من أول الأمر على أن المؤنث لا يصلح للربوبية ) ربي ( كما قال فيما مضى ؛ ثم علل ذلك بياناً للوجه الذي فارق فيه ما مضى فأورث شبهة ، فقال : ( هذا أكبر ) أي مما تقدم ) فلما أفلت ) أي غربت فخفي ظهورها وغلب نورها وهزمه جيش الظلام بقدرة الملك العلام ) قال يا قوم ( فصرح بأن الكلام لهم أجمعين ، ونادى على رؤوس الأشهاد .
ولما كانت القلوب قد فرغت بما ألقي من هذا الكلام المعجب للحجة ، وتهيأت لقبول الحق ، ختم الآية بقوله : ( إني بريء مما تشركون ) أي من هذا وغيره من باب الأولى ، فصرح بالمقصود لأنه لم يبق في المحسوس من العالم العلوي كوكب أكبر من الشمس ولا أنور ، فلما أبطل بذلك جميع مذهبهم أظهر التوجه إلى الإله الحق ، وأنه قد انكشف له الصواب بهذا النظر ، والمراد هم ، ولكن سوقه على هذا الوجه أدعى لقبولهم إياه ، فقال مستنتجاً عما دل عليه الدليل العقلي في الملكوت : ( إني وجهت وجهي ) أي أخلصت قصدي غير معرج على شيء أصلاً ، فعبر بذلك عن الانقياد التام ، لأن من انقاد لشيء أقبل عليه بوجهه ، ودل على كماله وتفرده بالكمال مبدعاتُه ، وعبر باللام دون إلى لئلا يوهم الحيز ، فقال : ( للذي فطر ) أي لأجل عبودية من شق وأخرج ) السماوات والأرض ( فختم الدليل بما افتتحت به السورة من قوله ( الذي خلق السماوات والأرض )