كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 661
وأدل دليل عى ما تقدم - أني فسرت الحنف به من أنه الميل مع الدليل سهولة ولطافة على ما هو دأب الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها - قولُه بعد نصب هذا الدليل : ( حنيفاً ) أي سهلاً هيناً ليناً لطيفاً ميالاً مع الدليل غير كزّ جاف جامد على التقليد دأب الغليظ البليد ، وأكد البراءة منهم بقوله : ( وما أنا من المشركين ) أي منكم ، ولكنه أظهر الوصف المقتضي للبراءة والتعميم ، أي لا أعد في عدادكم بشيء أقاربكم به .
ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب والشمس التي هي أوضح من الشمس ، عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه بل حاجوه ، فقال : ( وحاجه قومه ( بأنهم لا ينفكون عن عبا تها لأنهم وجدوا آباءهم كذلك ، وأنه إن لم يرجع عن الكلام فيها أصابته ببعض النوازل ، وذلك من أعظم التسلية لهذا النبي العربي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم .
ولما كان من المعلوم أن محاجتهم - بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من السقوط - سفلت عن الحضيض ، نزه المقام عن ذكرها ، إشارة إلى أنها بحيث لا يستحق الذكر ، وبين جوابه لما فيه من الفوائد الجمة بقوله : ( قال ) أي بقول منكراً عليهم موبخاً لهم : ( أتحاجوني ( وصرح باسم الرب العلم الأعظم في قوله : ( في الله ) أي شيء مما يختص به المستجمع لصفات الكمال لا سيما التوحيد ) وقد ) أي والحال أنه قد ) هدان ) أي أرشدني بالدليل القطعي إلى معرفة كل ما يثبت له وينفى عنه ، أي لأنه قادر ، فبين أنه تعالى قد أحسن إليه ، فهو يرجوه لمثل ذلك الإحسان ، ويخافه من عواقب العصيان ، لأن من رُجي خيره خيف ضيره ، ومن كان بيده النفع والضر والهداية والإضلال فهو من وضوح الأمر وظهور الشأن بحيث لا توجه نحوه المحاجة ، وأتبعه بيان أن معبوداتهم مسلوب عنها ما يوجه إليه الهمم ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فأنا أرجوه وأخافه لأنه قادر : ( ولا أخاف ما تشركون به ( ولا أرجوه لهداية ولا إضلال ولا غيرهما لأنه عاجز ، فأثبت لله القدرة بالهداية لأنها أشرف ، وطوى الإضلال لدلالتها ودلالة ما نفي في جانب الشركاء عليه ، وأثبت لآلهتهم العجز بنفي الخوف المستلزم لنفي القدرة على الضر .
وذلك دال على أن الله تعالى أهل لأن يخاف منه .
كل ذلك تلويحاً لهم بأن العاقل لا ينبغي له أن يخالف إلاّ من يأمن ضره ، فهم في مخالفتهم لله في غاية من الخطر ، لا يرتكبها عاقل ، والآية من الاحتباك .
ولما نفى عن نفسه خوف آلهتهم أبداً في الحال والاستقبال ، وكان من الأمر البين في الدين الحق أنه لا يصبح الإيمان إلاّ مع الإقرار بخفاء العواقب على العباد وإثبات العلم بها لله تسليماً لمفاتيح الغيب إليه ، وقصرها عليه ؛ قال مستثنياً من سبب النفي ،

الصفحة 661