كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 670
ولما كان ربما أوهم تنكيره فيه ، قال مستأنفا بيانا لكماله وتعظيما لفضله وإفضاله ، ) ذلك ) أي الهدى العظيم الرتبة ) هدى الله ) أي المستجمع لصفات الكمال ) يهدي ) أي يخلق الهداية ، ) به ) أي بواسطة الإقامة عليه ) من يساء من عباده ) أي سواء كان له أب يعمله أو كان له من يحمله على الضلال أولا ، ولما بين فضل الهدى ونص على رؤوس أهله ، تهدد من تركه كائنا من كان ، فقال مظهرا لعز الإلهية بالغنى المطلق منزها نفسه عما لوحظ فيه غيره ولو بأدنى لحظ ) ولو أشركوا ) أي هؤلاء الذين ذكرنا من مدحهم ما سمعت وبينا من اختصاصنا لهم ما علمت ، شيئا من شرك وقد أعاذهم الله من ذلك ، وأقام بهم معوج المسالك ، وأنار بهم ظلام الأرض بطولها العرض ) لحيط عنهم ) أي فسد وسقط ) ما كانوا يعملون ) أي وإن كان في غاية الإتقان بقوانين العلم ، وزاد في الترهيب من التواني في السير والزيغ عن سوء القصد بقوله : ( أولئك ) أي العالو الرتبة الذين قدمنا ذكرهم وأخبرنا أنهم لو أشركوتا سقطت أعمالهم ) الذين آتيناهم ) أي بعظمتنا ) الكتب ) أي الجامع لكل الخير ، فمن ملك ما فيه من العلوم والمعارف حكم على البواطن ، وذلك لأن الناس يحبونه فينقادون له ببواطنهم ) الحكم ) أي العمل المتقن بالعلم ، ومنه نفوذ الكلمة على الظواهر بالسلطنة وإن كرهت البواطن ) والنبوة ) أي العلم المزين بالحكم وهي وضع كل شيء في أحق مواضعه ، فهي جامعة للمرتبتين الماضيتيين ، فلذلك كان الأنبياء يحكمون على البواطن بما عندهم من العلم ، وعلى الظواهر بما يظهر من المعجزات ، ثم سبب عن تعظيمها بذلك تعظيمها بأنها لاتبور ، فقال تسلية عن المصيبة بطعن الطاعنين فيها وإعراض الجاهلين عنها وترجية عندما يوجب اليأس من نفرة أكثر المدعوين : ( فإن يكفر بها ) أي هذه الأشياء العظيمة ) هؤلاء ) أي أهل مكة الذين أنت بين أظهرهم / وقد حبوناهم بها على أتم وجه وأكمله وأعلاه وأجمله ، وأنت تدعوهم إلى أن يكونوا سعداء بما اشتملت عليه من الهدى وةعن عنه معرضون ، ولعل الإشارة على هذا الوجه لتحقيرهم ) فقد وكلنا ) أي لما لنا من العظمة في الماضي والحال والاستقبال ) بها قوما ) أي ذوي قوة على القيام بالأمور بالإيمان بها والحفظ لحقوقها ) ليسوا ( وقد الجار اهتماما فقال ) بها بكافرين ) أي بسائرين الشيء مما ظهر من شموس أدلتها ، وهم الأنبياء ومن تبعهم ، وقد صدق الله ، ومن أصدق من الله حديثا فقد جاء في هذه الأمة من العلماء الأخبار والراسخين الأخبار من لا يحصيهم إلا الله .
ولما كان المراد يسوقهم هكذا والله أعلم أكلا منهم بادر بعد الهداية إلى الدعاء إلى الله والغيرة على جلاله من الإشراك ، لم يشغل أحدا منهم عن ذلك سراء ولا