كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 674
ولما كان في قولهم ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) صريح الكذب وتضمن تكذيبه - وحاشاه ( صلى الله عليه وسلم ) أما من اليهود فبالفعل ، وأما من قريش فبالرضى ، وكان بعض الكفرة قد ادعى الإيحاء إلى نفسه إرادة للطعن في القرآن ؛ قال تعالى مهولاً لأمر الكذب لا سيما عليه لا سيما في أمر الوحي ، عاطفاً على مقول طقل من أنزل ( مبطلاً للتنبؤ بعد تصحيح أمر الرسالة وإثباتها إثباتاً لا مرية فيه ، فكانت براهين إثباتها أدلة على إبطال التنبؤ وكذب مدعيه : ( ومن أظلم ممن افترى ) أي بالفعل كاليهود والرضى كقريش ) على الله كذباً ) أي أيّ كذب كان ، فضلاً عن إنكار الإنزال على البشر ) أو قال أوحي إليّ ولم ) أي والحال أنه لم ) يوح إليه شيء ( فهذا تهديد على سبيل الإجمال كعادة القرآن المجيد ، يدخل فيه كل من اتصف بشيء من ذلك كمسيلمة والأسود العنسي وغيرهما ، ثم رأيت في كتاب غاية المقصود في الرد عل النصارى واليهود للسموأل بن يحيى المغربي الذي كان من أجل علمائهم في حدود سنة ستين وخمسمائة ، ثم هداه الله للإسلام ، وكانت له يد طولى في الحساب والهندسة والطب وغير ذلك من العلوم ، فأظهر بعد إسلامه فضائحَهم أن الربانيين منهم زعموا أن الله كان يوحي إلى جميعهم في كل يوم مرات ، ثم قال بعد أن قسمهم إلى قرّائين وربانيين : إن الربانيين أكثرهم عدداً ، وقال : وهم الذين يزعمون أن الله كان يخاطبهم في كل مسالة بالصواب ، قال : وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم ) ومن قال سأنزل ) أي بوعد لا خلف فيه ) مثل ما أنزل الله ( كالنضر بن الحارث ونحوه ولما كان الجواب قطعاُ في كل منصف : لا أحد أظلم منه ، بل هم أظلم الظالمين ، كان كأنه قيل : فلو رايتهم وقد حاق بهم جزاء هذا الظلم كرد وجوههم مسودة وهم يسحبون في السلاسل على وجوههم ، وجهنم تكاد تتميز عليهم غيظاً ، وهم قد هدّهم الندم ولحسرة ، وقطع بهم الأسف والحيرة لرأيت أمراً يهول منظره ، فكيف يكون مذاقه ومخبره فعطف عليه ما هو أقرب منه ، فقال كالمفصل لإجمال ذلك التهديد مبرزاً بدل ضميرهم الوصف الذي أداهم إلى ذلك : ( ولو ترى ) أي يكون منك رؤية فيما هو دون ذلك ) إذ الظالمون ) أي لأجل مطلق الظلم فكيف بما ذكر منه واللام للجنس الداخل فيه هؤلاء دخولاً أولياً ) في غمرات الموت ) أي شدائده التي قد غمرتهم كما يغمر البحر الخضم من يغرق فيه ، فهو يرفعه ويخفضه ويبتلعه ويلفظه ، لا بد له منه ) والملائكة ) أي الذين طلبوا جهلاً منهم إنزال بعضهم على وجه الظهور لهم ، وأخبرناهم أنهم لا ينزلون إلا لفصل الأمور وإنجاز المقدور ) باسطوا أيديهم ) أي إليهم بالمكروه لنزع أرواحهم وسلّها وافية من أشباحهم كما يسل السفود المشعب من الحديد