كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 676
عليكم لتتوصلوا به إلى رضانا ، فظننتم أنه لكم بالأصالة ، وأعرضتم عنا وبدلتم ما دل عليه من عظمتنا بضد ذلك من الاستهانة بأوامرنا ) وراء ظهوركم ( فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكبرون .
ولما كانوا يعدون الأصنام آلهة ، ويرجون شفاعتها ، إما استهزاء ، وإما في الدنيا ، وإما في الآخرة - على تقدير التسليم لصحة البعث ، قال تهكماً بهم واستهزاء بشأنهم : ( وما نرى معكم شفعاءكم ) أي التي كنتم تقولون فيها ما تقولون ) الذين زعمتم ) أي كذباً وجراءة وفجوراً ) أنهم فيكم شركاء ) أي أن لهم فيكم نصيباً مع الله حتى كنتم تعبدونهم في وقت الرخاء وتدعونه في وقت الشدة ، أروناهم لعلهم سترهم عنا ساتر أو حجبنا عنهم حاجب ؛ ثم دل على بهتهم في جواب هذا الكلام الهائل المرعب حيرة وعجزاً ودهشاً وذلاً بقوله : ( لقد تقطع ) أي تقطعاً كثيراً .
ولما كان ذكر البين في شيء يدل على قربه في الجملة وحضوره ولو في الذهن ، لأنه يقال : بيني وبين كذا كذا ، وكان فلان بيننا ، ونحو ذلك مما يدل على الحضور ؛ قال منبهاً على زوال ذلك حتى بالمرور بالبال والخطور في الذهن لشدة الاشتغال ) بينكم ( فأسند القطع المبالغ فيه إلى البين ، وإذا انقطع البين تقطّع ما كان فيه من الأسباب التي كانت تسبب الاتصال ، فلم يبق لأحد منهم اتصال بالآخر ، لأن ما بينهما صار كالخندق بانقطاع نفس البين ، فلا يتأتى معه الوصول ، ها على قراءة الجماعة بالرفع ، وهذا المثال معنى قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على الظرفية ؛ ولما رجع المعنى إلى تقطع الوصل ، بين سبب ذلك ، وهو زوال المستند الذي كانوا يستندون إليه فقال : ( وضل عنكم ) أي ذهب وبطل ) ما كنتم تزعمون ) أي من تلك الأباطيل كلها .
ولما ثبتت الوحدانية والنبوة والرسالة وتقاريع من تقاريعها ، وانتهى الكلام هنا إلى ما تجلى به مقام العظمة ، وانكشف له قناع الحكمة وتمثل نفوذ الكلمة ، فتهيأ السامع لتأمله ، وتفرع فهمه لتدبره ؛ قال دالاً عليه مشيراً غليه ، معلماً أن ما مضى أنتجه وأظهره لا بد وأبرزه ، مذكراً بآياته ) والذين يؤمنون بالآخرة ( وبمحاجة إبراهيم عليه السلام ، مصرفاً ما مضى أول السورة من دلائل الوحدانية على أوجه أخرى ، إعلاماً بأن دلائل الجلال تفوق عدد الرمال ، وتنبيهاً على أن القصد بالذات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته : ( إن الله ) أي الذي له جميع صفات الكمال ، فهو قادر على كل ما يريد ) فالق الحب ) أي فاطره وشاقه عن الزروع والنبات ، وعبر بذلك لأن الشيء قبل وجوده كان معدوماً ، والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة ، فإذا خرج من العدم المحض والفناء الصرف فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك لعدم