كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 683
علوم الأنبياء مثل النجوم والخط وغير ذلك ، ولولا الأنبياء الذين أدركوا علم النجوم وعرفوا مجاري الكواكب في البروج وما لها من السير في استقامتها ورجوعها ، وما قد ثبت وصح من الحساب في ذلك بما لا ارتياب فيه ، لما قدر الناس على إدراكه ، وذلك كله بوحي من الله عز وجل إلى أنبيائهم عليهم السلام ، وقد روي أن إدريس عليه السلام أول من علم النجوم ، وروي في الخط أنه كان علم نبي من الأنبياء ، ولولا ذلك لما أدرك الناس هذه اللطائف ولا عرفوها .
ولما كانت هذه الآيات قد بلغت في البيان حداً علا عن طوق الإنسان والملائكة والجان لكونها صفة الرحمن ، فكانت فخراً يتوقع فيه التنبيه عليه فقال : ( قد فصلنا ) أي بينا بياناً شافياً على ما لنا من العظمة ) الآيات ( واحدة في إثر واحدة على هذا الأسلوب المنيع والمثال الرفيع ؛ ولما كانت من الوضوح في حد لا يحتاج إلى كثير تأمل قال : ( لقوم يعلمون ) أي لهم قيام فيما إليهم ، ولهم قابلية العلم ليستدلوا بها بالشاهد على الغائب .
ولما ذكر سبحانه بعض هذا الملكوت الأرضي والسماوي ، أتبعه - كما مضى في أول السورة - الخلق المفرد الجامع لجميع الملكوت ، وهو الإنسان ، دالاً على كمال القدرة على كل ما يريد ، مبطلاً بمفاوتة أول الإبداع وآخر الآجال ما اعتقدوا في النور والظلمة والشمس والقمر وغيرهما ، لأن واحداً منها لا اختيار له في شيء يصدر عنه ، بل هو مسخر ومقهور كما هو محسوس ومشهور ، فقال : ( وهو ) أي لا غيره ) الذي أنشأكم ) أي وأنتم في غاية التفاوت في الطول والقد واللون والشكل وغير ذلك من الأعراض التي دبرها سبحانه على ما اقتضته حكمته ) من نفس واحدة ( ثم اقتطع منها زوجها ثم فرّعكم منهما .
ولما كان أغلب الناس في الحياة الدنيا يعمل عمل من لا يحول ولا يزول ، لا يكون على شرف الزوال ما دامت فيه بقية من حياة ، قال : ( فمستقر ) أي فسبب عن ذلك أنه منكم مستقر على الأرض - هذا على قراءة ابن كثير وابن عمر وبكسر القاف اسم فاعل ، والمعنى في قراءة الباقين بفتحه اسم مكان
77 ( ) ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ( ) 7
[ البقرة : 26 ] .

الصفحة 683