كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 685
ولما كان تفريع الخلق من الماء بمكان من العظمة لا يوصل إليه ، نبه عليه بالانقال إلى التكلم في مظهر العظمة فقال : ( فأخرجنا ) أي على ما لنا من العظمة التي لا يدانيها أحد ) به ) أي الماء ) نبات كل شيء ( مختلفة طعومه وألوانه وروائحه وطبائعه ومنافعه وهو بماء واحد ، فالسبب واحد والمسببات كثيرة منفتة ، سواء كان ذلك النبات حقيقياً من النجم والشجر ، أو مجازياً من الأنثى والذكر ؛ ثم سبب عن الحقيقي لظهوره قوله دالاً على العظمة : ( فأخرجنا منه ) أي النبات ) خضراً ) أي شيئاً أخضر غضاً طرياً ، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة ؛ ثم زاد في بيان عظمته بقوله : ( نخرج ) أي حال كوننا مقدرين أن نخرج ) منه ) أي من ذلك الخضر ) حباً متراكباً ) أي في السنبل يركب بعضه بعضاً ويحرسه من أن يلتقطه الطير بعد ستره بالقشر بحسك طويل لطيف جداً كالإبر خشن ، بعد أن كان أصله حبة واحدة على صورتها ، أو منفتة في التراب بعد أن طوّره سبحانه في عدة أطوار ، إن فاعل ذلك لقادر مختار .
ولما كان نسبة الإخراج والإبداع إليه سبحانه وحده في مظهر العظمة خصوصاً وعموماً ، فعلم أن الكل منه ، وصار الحال في حد من الوضوح جدير بأن يؤمن من نسبة شيء إلى غيره لا سيما الذي هم له معالجون ، وبالعجز عن إبداعه عالمون ، وبدأ بما بدأ به أولاً في آية الفلق من الحب ؛ ثنى بما من النوى ، فقال معبراً لذلك الأسلوب : ( ومن النخل ( وتقديم الحب عليه هنا وفيما قبل يدل على أن الزرع أفضل منه ، فإنه قوت في أكثر البلاد ولأغلب الحيوانات والغذاء مقدم على الفاكهة ؛ فإنها خلقت من طينة آدم ؛ ثم أبدل مما أجمل من ذلك قوله مبيناً : ( من طلعها ) أي النخل ، وهو أول ما يخرج منها في أكمامه ) قنوان ( جمع قنو ، وهو العذق بالكسر للشمراخ وهو الكباسة ، والعرجون عوده الذي يكون فيه البسر ) دانية ) أي قريبة التناول وإن طال أصلها بما علمكم وسهل لكم من صنعة الوصول إليها .
ولما لم يكن لهم من معالجة الأعناب وغيرها ما لهم من معالجة النخيل ، عطف على ( نبات ) منبهاً لهم على أنها - كالنخيل - هو سبحانه المتفرد بإبداعها كما تقدم - فقال : ( وجنات ) أي بساتين ) من أعناب ( وجمعها لكثرة أنواعها ، وبدأ بهاتين الشجرتين لفضلهما كما تقدم على غيرهما ، لأن ثمرهما فاكهة وقوت ، وقدم الأول لأنهم له أكثر ملابسة ، وإن كان العنب أشرف أنواع الفواكه ، فإنه ينتفع به من أول ظهوره لأنه أولاً يكون له خيوط خضر دقيقة حامضة لذيذة ، ثم تكون الحصرم ، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى ، وقد يتخذ منه رُبّ الحصرم وأشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء ، ويطبخ منه ألذ الأطعمة الحامضة ، وهو عنباً ألذ الفواكه وأشهاها ،

الصفحة 685