كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 691
نظم باسمه ) الخبير ( لأنه أخفى حكمته في ظاهر يضادها ، فاللطف مخبرة في حكمة ، وباسمه تعالى اللطيف أقام أمر حكمته ما بين الدنيا والآخرة ، وبذلك أقام أمر أهل ولايته في الدنيا لما جمع لهم من أمره فيها ، فيبدو زهم من وراء ذل ، ويتراءى ذلهم ومن دونه عز ، فيسبق عزهم إلى القلوب مع تذللهم في الحواس ، ويؤول محسوسهم إلى عز ي عقبى الدنيا ، ومبادرة الآخرة مع تأنس القلوب بهم ،
77 ( ) إن ربي لطيف لما يشاء ( ) 7
[ يوسف : 100 ] لما أراد أن يملكه مصر وجعل وسيلة ذلك استبعاده بها ، وبحصول معناه بتمام الخبرة والحكمة - وتلك إبداء الشيء في ضده - يتضح اختصاصه بالحق ، فهو الذي أطعم من جوع وآمن من خوف ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً ، فهو تعالى اللطيف الذي لا لطيف إلا هو ، ثم قالك الخبرة إدراك خبايا الأشياء وخفاياها بحيث لا يبدو منه خبيثة أمر إلا كان إدراك الخبير سابقاً لبدوها ، وذلك لا يتم إلا لمبديها الذي هو يخرج خبأها ، وهو الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ، ومخبرة الخلق لا بد فيها من إظهار باد ينبئ عن الخبء بمقتضى التجرية ، وإلاّ لم يصح لهم الخبرة ، كما قيل : مخبرة المرء فيما يبدو من نطقه وما يظهره اليوم والليلة من عمله ، والخبير الحق خبير بالشيء دون باد يرى الظاهر خبيثة أمره ، فهو بالحقيقة الذي لا خبير إلاّ هو - انتهى .
ولما أكثر لهم من إقامة الأدلة على وحدانيته ، وختمها بهذا الدليل المحسوس الذي معناه أن كل شريك وكل ابن يدرك شريكه وأباه ، وهو متناه عن أن يدركه ، أي يحيط به أحد ، ناسب أن يعظهم ويمدح الأدلة حثاً على تدبرها ، وجعل ذلك على لسان نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) إشارة إلى أنه - لنور قلبه وكمال عقله وصفاء لبه وغزارة علمه وشريف أخلاقه واستقامة غرائزه وبُعد مدى همته عن أن ينسب إلى جور أو يرمى بعناد - حقيق بأن يقول بعد إقامتها من غير تلعثم تقريراً لأمر دعوته بعد تقرير المطالب العالية الإلهية : ( قد جاءكم ( .
ولما كانت الآيات - لقوتها وجلالتها التي أشار إليها تذكير الفعل - توجب المعرفة فتكون سبباً لانكشاف الحقائق الذي هو كالنور في جلاء المحسوسات ، قال : ( بصائر ) أي أنوار هي لقلوبكم بمنزلة الضياء المحسوس لعيونكم ) من ربكم ) أي المحسن إليكم بكل إحسان ، فلا إحسان أصلاً لغيره عندكم ، فاصعدوا عن النظر بالأبصار إلى الاعتبار بالبصائر ، ولا تهبطوا في حضيض التقليد إلى أن تصلوا إلى حد لا تفهمون معه إلا ما يحس بالأبصار بل ترقوا في أوج المعرفة إلى سماوات الاجتهاد وجرّدوا لقطاع الطريق صوارم البصائر ، فإنكم إن رضيتم بالدون لم تضروا إلا أنفسكم ، وإن نافستم في المعالي