كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 693
) ولنبينه ) أي القرآن لأنه المراد بالآيات المسموعة ) لقوم يعلمون ) أي أن المراد من الإبلاغ في البيان أن يزداد الجهلة به جهلاً ، ويهتدي من كان للعلم أهلاً ، فلا يقولون : ( دارست ) بل يقولون : إنه من عند الله ، فالآية من الاحتباك : إثبات ادعاء المدارسة أولاً يدل على نفيها ثانياً ، وإثبات العلم ثانياً يدل على عدمه أولاً ، وهي من معنى
77 ( ) يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ( ) 7
[ البقرة : 26 ] .
ولما انكشف بهذا في أثناء الأدلة وتضاعيف البراهين أن القرآن كنز لا يلقى مثله كنز ، وعز لا يدانيه عز ، وأنه في الذروة التي تضاءلت دونها سوابح الأفكار ، وكلّت عن التماعها نوافذ الأبصار ، وختم بأن المراد بالبيان العلماء ، ناسب له أن ينبه على ذلك لئلا يفتر عنه طعنهم بقولهم ( دارست ) ونحوه ، فقال مخصصاً له ( صلى الله عليه وسلم ) بالخطاب إعلاماً بأنه العالم على الحقيقة : ( اتبع ) أي أنت ومن تبعك ) وما أوحي إليك ) أي فالزم العمل به ؛ ثم أكد مدحه بقوله : ( من ربك ) أي المحسن إليك بهذا البيان ؛ ثم علل ذلك بقوله : ( لا إله إلا هو ) أي فلا يستحق غيره أن يتبع له أمر ، ولا يلتفت إليه في نفع ولا ضر ) وأعرض عن المشركين ) أي بغير التبليغ ، فإنه ما عليك غيره ، ومزيد حرصك على إيمانهم لا يزيد من أريدت شقوته إلا تمادياً في إشراكه وارتباكاً في قيود أشراكه .
ولما كان الحبيب أسر شيء بما يزيده حبيبه ، قال مسلياً له ( صلى الله عليه وسلم ) عن استهزائهم به وردهم لقوله ، عاطفاً على ما تقديره : فلو شاء الله ما خالفوك ولا تكلموا فيك ببنت شفة : ( ولو شاء الله ما أشركوا ) أي ما وقع منهم إشراك أصلاً ، فقد أراد لك من الوقوع فيك ما أراده لنفسه ، فليكن لك في ذلك مسلاة .
ولما كان التقدير : فإنه سبحانه حفيظ عليهم ، عطف عليه قوله : ( وما جعلناك ) أي بعظمتنا ، وأشار إلى أن العلو ليس بغير الله سبحانه فقال : ( عليهم حفيظاً ) أي تحفظ أعمالهم لئلا يكون منها ما لا يرضينا فتردهم عنه قسراً ) وما أنت ( وقدم ما هو أعم من نفي التحقق بالعلو المحيط القاهر الذي هو خاص بالإله فقال : ( عليهم بوكيل ) أي فتأخذ الحق منهم قهراً ، وتعاملهم بما يستحقونه خيراً أو شراً ، إنما أنت مبلغ عنا ، ثم الأمر في هدايتهم وإضلالهم إلينا .
ولما طال التنفير عما اتخذ من دونه من الأنداد والبنات ، لأنها أقل من ذلك وأحقر ، كان ذلك ربما كان داعية إلى سبها ، فنهى عنه لمفسدة يجرها السب كبيرة جداً ، فقال عاطفاً على قوله ) وأعرض عن المشركين ( غير مواجه له وحده ( صلى الله عليه وسلم ) إكراماً له : ( ولا تسبوا ( ولما كانت الأصنام لا تعقل ، وكان المشركون يزعمون بها العقل والعلم ، ويسندون إليها الأفعال ، أجري الكلام على زعمهم لأنه في الكف عنها فقال : ( الذين

الصفحة 693