كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 697
) وكذلك ) أي ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار الإنس والجن ) جعلنا لكل نبي ) أي ممن كان قبلك ، وعبر عن الجمع بالمفرد - والمراد به الجنس - إشارة إلى أنهم يد واحدة في العداوة فقال : ( عدواً ( وبين أن المراد به الجنس ، وأنهم أهل الشر فقال مبدلاً : ( شياطين ) أي أشرار ) الإنس والجن ( المتمردين منهم ، وربما استعان شيطان الجن شيطان الإنس لقرب قلبه منه ، أم يكون نوعه إليه أميل ، وأشار إلى هوان أمرهم وسوء عاقبتهم بقوله : ( يوحي بعضهم ) أي الشياطين من النوعين ) إلى بعض ) أي يكلمه في خفاء ) زخرف القول ) أي مزينه ومنمقه .
ولما كان هذا يدل على أنه - لكونه لا حقيقة له - لولا الزخرفة ما قيل ، زاده بياناً بقوله : ( غروراً ) أي لأجل أن يغروهم بذلك ، أي يخدعوهم فيصيروا لقبولهم كلامهم كالغافلين الذين شأنهم عدم التحفظ ، والغرور هو الذي يعتقد فيه النفع وليس بنافع .
ولما كان أول الآية معلماً أن هذا كان بمشيئة الله وجعله ، أيد ذلك ومكنه في آخرها بأنه لو شاء ما كان ، وكل ذلك غيرة على مقام الإلهية وتنزيهاً لصفة الربوبية أن يخرج شيء عنها فيدل على الوهن ، ويجر قطعاً إلى اعتقاد العجز ، فقال : ( ولو شاء ( ولما كان في بيان أعدائه ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلطين عليه ، أشار إلى أن ذلك لإكرامه وإعزازه ، لا لهوانه ، فقال ) ربك ) أي بما له إليك من حسن التربية وغزير الإحسان مع ما له من تمام العلم وشمول القدرة ، أن لا يفعلوه ) ما فعلوه ) أي هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع عليها .
ولما قرر أن هذا من باب التربية فعاقبته إلى خير ، سبب عنه قطعاً قوله : ( فذرهم ) أي اتركهم على أيّ حالة اتفقت ) وما يفترون ) أي يتعمدون كذبه واختلافه ، واذكر ما لربك عليك من العاطفة لتعلم أن الذي سلطهم على هذا في غاية الرأفة بك والرحمة لك وحسن التربية كما لا يخفى عليك ، فثق به واعلم أن له في هذا لطيف سريرة تدق عن الأفكار ، بخلاف الآيات الآتية التي عبر فيها باسم الجلالة ، فإنها في عظيم تجرئهم على مقام الإلهية .
ولم كان التقدير : ذرهم لتعرض عنهم قلوب الذين يؤمنون بالآخرة وليسخطوه ، وليعلموا ما هم له مبصرون وبه عارفون ، فترفع بذلك درجاتهم ، عطف عليه قوله : ( ولتصغى ) أي تميل ميلاً قوياً تعرض به ) إليه ) أي كذبهم وما في حيزه ) أفئدة ) أي قلوب ) الذين لا يؤمنون بالآخرة ) أي ليس في طبعهم الإيمان بها لأنها غيب ، وهم لبلادتهم واقفون مع الوهم ، ولذلك استولت عليهم الدنيا التي هي أصل الغرور ) وليرضوه ) أي بما تمكن من ميلهم إليه ) وليقترفوا ) أي يفعلوا بجهدهم ) ما هم