كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 699
ولما كان التقدير : فأنتم وجميع أرباب البلاغة تعلمون حقيقته بتفصيله والعجز عن مثيله ، عطف عليه قوله : ( والذين ( ويجوز أن يكون جملة حالية ) آتيناهم ) أي بعظمتنا التي تعرفونها ويعرفون بها الحق من الباطل ) الكتاب ) أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور ) يعلمون ) أي لما لهم من سوابق الأنس بالكتب الإلهية ) أنه منزل ( .
ولما تقدم ذكر الجلالة الشريفة في حاق موضعه في سياق الحكم الذي لا يكون إلا مع التفرد بالكمال ، وكان هذا المقام بسياق الإنزال يقتضي الإحسان ، لم يضمر بل قال : ( من ربك ) أي المحسن إليك بما خصك به في هذا الكتاب من أنواع الفضائل ) بالحق ) أي الأكمل لما عندهم به ن البشائر في كتبهم ولما له من موافقتها في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على وجوه ترقق القلوب وتفيض الدموع وتصدع الصدور ، مع ما يزيد به على كتبهم من التفصيل بما يفهم معارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام السياسية والإعجاز بكل آية .
ولما كان أهل الكتاب يخفون ما عندهم من العلم ، ويقولون للمشركين : إنهم أهدى سبيلاً ، بما قد يوهم أنهم يعتقدون بطلانه ، أو أن الأمر ملبس عليهم ، سبب عن إخباره سبحانه قوله على طريق التهييج والإلهاب : ( فلا تكونن ) أي انف نفياً مؤكداً جداً أن تكون في وقت ما ) من الممترين ) أي العاملين عمل الشاك فيما أخبرناك به وإن زاد إخفاؤهم له وإظهارهم لما يوهم خلافه ؛ وإذا حاربتهم في ذلك وأنت أفطن الناس وأعرفهم بما يظهره المجاوزات من خفايا الأسرار - تحققت ما قلناه وإن اجتهدوا في الكتمان ، كما كشفت عنه قصة المناشدة في أمر الزانيين وغيرها ؛ وقال أبو حيان : قال مشركو قريش لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود ، وإن شئت من أساقفة النصارى ، ليخبرناعنك بما في كتابهم من أمرك فنزل .
ولما دل على كونه حقاً من عند الله بعلم أهل الكتاب صريحاً وأهل اللسان تلويحاً ، دل عليه بوجه آخر شهودي ، وهو أنه ما قال شيئاً إلا كان على وفق ما قال ، وأنه لم يستطع - ولا يستطيع أحد - منع شيء مما أخبر به ولا تعويقه ساعة من نهار ولا أقل ولا أكثر بقوله تعالى مظهراً في موضع الإضمار ، لتذكيره ( صلى الله عليه وسلم ) مبا له سبحانه من الإحسان ، والتنبيه على ما يريد به من التشريف والإكرام : ( وتمت ) أي نفذت وتحققت ) كلمة ربك ) أي المحسن إليك المدبر لأمرك حال كونها ) صدقاً ) أي لا يقدر أحد أن يبدي في شيء منها حيثاً بتخلف ما عن مطابقة الواقع .
ولما كان الصدق غير مناف للجور ، قال : ( وعدلاً ( ولما كان الصدق العدل قد