كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 701
ولما كان المقام للعلم الكاشف للحقائق المبين لما يتبع وما يجتنب ، قال معللاً لهذا الإخبار : ( إن ربك ) أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب الكاشف للارتياب الهادي إلى الصواب ) هو ) أي وحده ) أعلم ( ولكون الحال شديد الاقتضاء للعلم ، قطعه عما بعده ليسبق إلى الفهم أنه أعلم من كل من يتوهم فيه العلم مطلقاً ثم قال : ( من ) أي يعلم من ) يضل ) أي يقع منه ضلال يوماً ما ) عن سبيله ) أي الذي بينه بعلمه ) وهو ) أي وحده ) أعلم بالمهتدين ( كما أنه أعلم بالضالين ، فمن أمركم باتباعه فاتبعوه ، ومن نهاكم عنه فاجتنبوه ، فمن ضل أرداه ، ومن اهتدى أنجاه ، فاستمسكوا بأسبابه حذراً من وبيل عقابه يوم حسابه .
ولما قدم سبحانه ما مضى من السوائب وما معها وفي المائدة مما يدين به أهل الجاهلية في أكل الحيوان الذي جر إليه الشرك ، وأتبعه بيان أنه لا ضرر على أهل الإيمان من دين أهل الضلال إذا اهتدوا ، وأتبع ذلك ما لاءمه ، وانتظم في سلكه ولاحمه ، حتى ظهر أي ظهور أن الكل مِلكه ومُلكه ، وأنه لا شريك له ، فوجب شكره وحده ، وكانوا مع ذلك قد كفروا نعمه تتعالى فاتخذوا معه شركاء ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا لها مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ، فكانوا بذلك المانعين الحق عن أهله ، ومانحين ما خولهم فيه من له الملك لما لا يملك ضراً ولا نفعاً ، وتاركين بعض ما أنعم عليهم به صاحب الحق رعاية لمن لا حق له ولا حرمة ، وكانت سنة الله تعالى قد جرت بأنه يذكر نفسه الشريفة بالوحدانية .
ويستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض وما أودع فيهما لنا من المنافع وما أبدع من المرافق والمصانع ، ثم يعجب ممن أشرك به ، ثم يأمر بالأكل مما خلق تذكيراً بالنعمة ، ليكون ذلك داعية لكل ذي لب إلى شكره ، كما قال تعالى في البقرة عقب ) وإلهكم إله واحد (
77 ( ) إن في خلق السماوات والأرض ( ) 7
[ البقرة : 164 ] ثم قال
77 ( ) ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً ( ) 7
[ البقرة : 165 ] ثم قال
77 ( ) يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ( ) 7
[ البقرة : 168 ] ؛ أجرى هذه السنة الجليلة في هذه السورة أيضاً ، فقال :
77 ( ) إن الله فالق الحب والنوى ( ) 7
[ الأنعام : 95 ] بعد
77 ( ) إني وجهت وجهي للذي فطر ( ) 7
[ الأنعام : 79 ] ثم
77 ( ) وجعلوا لله شركاء الجن ( ) 7
[ الأنعام : 100 ] ودل على أنه لا شريك له في مِلكه ولا مُلكه ، وختم بأنه لا حكم سواه ينازعه في حكمه أو يباريه في شيء من أمره ، وبين أن من آيها الهداية التي جعلها شرطاً لعدم ضرر يلحق من دين أهل الشرك ؛ فسبب عن جميع ما ذكرت قوله : ( فكلوا مما ذكر ) أي وقت الذبح ) اسم الله ) أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة فله كل شيء ) عليه ) أي كأن قائلاً لذلك سواء ذكر بالفعل أولا ، وعدل عن التعبير بما جعلته المراد ليفهم أن الذكر بالفعل مندوب إليه ، ولا يكونوا ممن بنى دينه على اتباع الأهوية والظنون الكاذبة ، فكأنه قيل : اتبعوا من يعرف الحق لأهله فإنه مهتد غير معرجين على غيره فإنه ضال ،

الصفحة 701