كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 702
والله أعلم بالفريقين ، فكونوا من المهتدين ، فكلوا مما خلق الله لكم حلالاً شاكرين لنعمته ، وإنما أطال هنا دون البقرة ما بين الجمل الكلام تقريراً لمضامينها وما يستتبعه واحتجاجاً على جميع ذلك لأنها سورة التفصيل ، وأتى بالذكر والمراد قبول المأكول له ، أي كلوا مما يقبل أن يسمى عليه على مقتضى ما شةعه ، وذلك هو الذي أحله من الحيوان وغيره سواء كان مما جعلوه لأوثانهم أولا ، دون ما مات من الحيوان حتف أنفه ، أو ذكر عليه اسم غير الله أو كان مما حرم أكله وإن ذبح وذكر عليه اسم الله ، فإنه لا يقبل التحليل بالتسمية ، فالتسمية في غير موضعها ، لورود النصوص بالتحريم ، ولا تتبعوا المشركين في منعهم أنفسهم من خير مما خلق الله لهم من الحرث والأنعام بتسميتهم إياه لآلهتهم التي لا غناء عندها ، ويكون ذلك حثاً على التسمية على جميع المأكول الحلال ، فتكون الآية كآية البقرة بزيادة .
ولما كان هذا الأمر لا يقبله إلا من زال دين الشرك وجميع توابعه من قبله ؛ قال : ( إن كنتم ) أي بما لكم من الجِِبِلَّة الصالحة ) بآياته ) أي عامة التي منها آيات التحليل والتحريم ) مؤمنين ) أي عريقين في وصف الإيمان ، وقد لاح بذلك حسن انتظام قوله : ( وما لكم ) أي أيّ شيء يكون لكم في ) ألا تأكلوا مما ذكر ) أي يقبل أن يذكر ) اسم الله ) أي الذي له كل شيء ) عليه ( فإن التسمية قائمة مقام إذنه ) وقد ) أي والحال أنه قد ) فصل لكم ) أي من قبل ذلك والخلق خلقه والأمر أمره ) ما حرم عليكم ) أي مما لم يحرم تفصيلاً واضح البيان ظاهر البرهان ) إلا ما اضطررتم إليه ) أي فإن الضرورة تزيل التفصيل عنه برده إلى ما كان عليه قبل التفصيل ؛ فيصير الكل حلالاً لا تفصيل فيه ، والمراد في هذه الآية مختلف باختلاف المخاطبين ، فأما من خوطب بها وقت الإنزال فالمراد بالتفصيل الذي ىتاه الآية الآتية أخير هذه فإنها نزلت جملة ، وكذا كل ما شاكلها مما أنزل بمكة قبل هذه السورة ، وكذا ما أخبر به ( صلى الله عليه وسلم ) في وحي متلو إذ ذاك ، ولعله نسخت تلاوته وبقي حكمه ، أو وحي غير متلو من جميع الأحاديث التي تقدمت على هذه السورة ، وأما من خوطب بها بعد ترتيبه على هذا الوجه فالمراد في حقه كما في البقرة والمائدة وغيرهما من السور الماضية - من الحلال والحرام .
ولما كان التقدير : من عمل بهذه الأوامر اهتدى بما نال من العلم وهم قليل ، عطف عليه قوله : ( وإن كثيراً ) أي من الناس ) ليضلون ) أي يقع منهم الضلال فيوقعون غيرهم فيه بنكوبهم عما دعت إليه أوامر الله وهدى إليه بيانه ، فيكونون بمعرض العطب ) بأهوائهم ) أي بسبب اتباعهم للهوى ؛ ولما كان الهوى - وهو ميل النفس - ربما كان موافقاً لما أدى إليه العم بصحيح الفكر وصريح العقل قال : ( بغير علم ) أي دعا إلى ذلك ممن له العلم من شريعة ماضية ممن له الأمر .
ولما كانوا ينكرون هذا ، أثبت لنفسه الشريفة ما هو مسلم عند كل أحد وقال دليلاً

الصفحة 702