كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 704
الإحاطة الكاملة ، وأشار بأداة الاستعلاء إلى الإخلاص ونفي الإشراك فقال : ( عليه ) أي لكون الله قد حرمه فصار نجس العين أو المعنى ، فصار مخبثاً للبدن والنفس مما ذكر عليه غير اسمه سبحانه بما دل عليه من تسميته فسقاً ، وتفسير الفسق في آية أخرى بما أهل به لغير الله وكذا ما كان في معناه مما مات أو كان حراماً بغير ذلك ، واسمه تعالى منزه عن أن يذكر على غير الحلال ، فإن ذكر عليه كان ملاعباً فلم يطهره ، وأما ما كان حلالاً ولم يذكر عليه اسم الله ولا غيره فهو حلال - كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : قالوا : يا رسول الله إن هنا أقواماً حديث عهد بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله أم لا قال : ( اذكروا أنتم اسم الله وكلوا ) قال البغوي : ولو كانت التسمية شرطاً للإباحة لكان الشك في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح - انتهى .
ولما كان التقدير : فإنه خبيث في نفسه مخبث ، عطف عليه قوله : ( وإنه ) أي الأكل منه أو هو نفسه لكونه السبب ) لفسق ( فجعله نفس الفسق - وهو الخروج عما ينبغي إلى ما لا ينبغي - لأنه عريق جداً في كونه سببه لما تأصل عندهم من أمره وانتشر من شره ، وهذا دليل على ما أولت به لأن النسيان ليس بسبب الفسق ، والذي تركت التسمية عليه نسياناً ليس بفسق ، والناسي ليس بفاسق - كما قاله البخاري ، وإلى ذلك الإشارة بما رواه عن عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : إن قوماً يأتونّا باللحم ، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال : ( سموا عليه أنتم وكلوه ) ، قالت : وكانوا حديثي عهد بالكفر - انتهى .
فهذا كله يدل على أن المراد إنما هو كونه مما يحل ذبيحته ، وليس المراد اشتراط التسمية بالفعل .
ولما كانت الشبه ربما زلزلت ثابت العقائد ، قال محذراً منها : ( وإن الشياطين ) أي أخابث المردة من الجن والإنس البعيدين من الخير المهيئين للنشر المحترقين باللعنة من مردة الجن والإنس ) ليوحون ) أي يوسوسون وسوسة بالغة سريعة ) إلى أوليائهم ) أي المقاربين لهم في الطباع المهيئين لقبول كلامهم ) ليجادلوكم ) أي ليفتلوكم عما أمركم به بأن يقولوا لكم : ما قتله الله أحق بالأكل مما قتلتموه أنتم وجوارحكم - ونحو ذلك ، وأهل الحرم لا ينبغي أن يقفوا في غيره ، والغريب لا ينبغي أن يساويهم في الطواف في ثيابه ، والنذر للأصنام كالنذر للكعبة ، ونحو هذا من خرافاتهم التي بنوا أمرهم فيها على الهوى الذي هم معترفون بأنه مضل مضر ، ومبالغون في الذم باتباعه والميل إليه ، ويكفي في هدم جميع شبههم إجمالاً أن صاحب الدين ومالك الملك منع منها .