كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 705
ولما كان التقدير : فإن أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى ، وكان من المعلوم أن الهوى يعود إلى الشرك ، عطف على هذا قوله : ( وإن أطعتموهم ) أي المشركين تديناً بما يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه والأكل مما لم يذكر اسم الله عليه ، أو في شيء مما جادلوكم فيه ) إنكم لمشركون ) أي فأنتم وهم في الإشراك سواء كما إذا سميتم غير الله على ذبائحكم على وجه العبادة ، لأن من اتبع أمر غير الله فقد اشركه بالله كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في قوله تعالى
77 ( ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ( ) 7
[ التوبة : 31 ] من أن عبادتهم لهم تحليلهم ما أحلوا وتحريمهم ما حرموا ، فنبه ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك على أن الأسماء تتبع المعاني ؛ قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في باب الضحايا من كتاب الروضة : حكي في الشامل وغيره عن نص الشافعي أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير الله كالمسيح لم تحل ؛ وفي كتاب القاضي ابن كنج أن اليهودي لو ذبح لموسى والنصراني لعيسى عليهما السلام أو للصليب حرمت ذبيحته ، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فينبغي أن يقال : تحرم ، لأنه ذبح لغير الله تعالى ، قال : وخرّج أبو الحسن وجهاً آخر أنها تحل لأن المسلم يذبح لله ولا يعتقد في رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما يعتقده النصراني في عيسى عليه السلام .
قال : وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته سواء كان الذابح مسلماً أو نصرانياً ، وفي تعليقه للشيخ إبراهيم المروزي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقرباً إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله ، واعلم أن الذبح للمعبود باسمه نازل منزلة السجود له .
وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم ، العبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة ، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته ، وكان فعله كفراً كمن سجد لغيره سجدة عبادة ، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه ، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه - بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيماً لها لأنها بيت الله تعالى أو لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة ، وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل : أهديت للحرم أو للكعبة ، ومن هذا القبيل الذبح عند استقبال السلطان ، فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود ، ومثل هذا لا يوجب الكفر ، وكذا السجود لغير الله تذللاً

الصفحة 705