كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 707
القرآن في أساليب الافتنان ؛ قال الغزالي في أوائل كتاب الجواهر في الفصل الذي فيه اشتمال الفاتحة على ثمانية أقسام : وقوله ثانياً ) الرحمن الرحيم ( إشارة إلى الصفة مرة أخرى ، ولا تظن أنه مكرر ، فلا مكرر في القرآن ، إذ حد المكرر ما لا ينطوي على مزيد فائدة ، وذكر الرحمة بعد ذكر ) العالمين ( ، وقبل ذكر ) العالمين ( ، وقبل ذكر ) مالك يوم الدين ( ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفصيل مجاري الرحمة ثم ذكر ما حاصله أن إحداهما ملتفت إلى خلق كل عالم من العالمين على أكمل أنواعه وأفضلها وإيتائه كل ما احتاج إليه ، والثانية ملتفت غلى ما بعده بالإشارة إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الإنعام بالملك المؤبد ، قال : وشرح ذلك يطول والمقصود أنه لا مكرر في القرآن ، وإن رأيت شيئاً مكرراً من حيث الظاهر فانظر إلى سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته - انتهى .
وفي ذلك نكتة أخرى ، وهي أن الرحمن مشير غلى ما قال من جهة الربوبية في الإيجادين : الأول والثاني ، والرحيم مشير بخصوصه بما ترضاه الإلهية إلى الإيجاد الثاني والإبقاء الثاني بالرحمة الجزائية وإلى ما يفهمه الخصوص من النعمة بمن لم يخصه الرحمة - كما مضت الإشارة إليه في الفاتحة .
ولما كان معنى التحذير من طاعة المشركين أنكم إن فعلتم كنتم قد رددتم أنفسكم إلى ظلام الضلال بعد أن منحتم نور الهداية ، فكان التقدير : أفمن كان هكذا كان كمن نصح لنفسه باتباع الأدلة وتوقي الشبه ، عطف عليه قوله : ( أو من كان ميتاً ) أي بالغرق في أمواج ظلام الكفر ، ليس لهم من ذواتهم إلا الجمادية بل العدمية ) فأحييناه ) أي بما لنا من العظمة بإشراق أنوار الإيمان على قبله الذي إن صلح صلح الجسد كله ، وإن فسد فسد الجسد كله ) وجعلنا ) أي بعظمتنا على وجه الخصوص ) له نوراً ) أي بالهداية إلى كل خير ) يمشي ( مستضيئاً ) به في الناس ( فيعرفون أفعاله وأخلاقه وأقواله ) كمن مثله ) أي الذي يمثل به ، وهو ما ينكشف بوجه الشبه روح لبه وخلاصة حال قلبه ، حال قلبه ، أو يكون المعنى : صفته أنه ) في الظلمات ) أي ما له من نفسه من ظلمة الجهل وظلمة ما ينشأ عنه من الهوى وظلمة ما نشأ عن الهوى من الكفر ، وإذا كان المثل الذي هو الأعلى من الممثول في شيء كان الممثول عريقاً فيه بطريق الأولى ، فلذلك قال : ( ليس بخارج ) أي ذلك المثل ) منها ) أي الظلمات بما زين له من سوء أعماله حتى صارت أحب إليه من نفسه وماله ، وإذا لم يخرج المثل من شيء لم يخرج الممثول منه وإلا لم تكن بينهما مماثلة ، وذلك لأنه زين له عمله ، وهي ناظرة إلى قوله أول السورة
77 ( ) إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ( ) 7
[ الأنعام : 36 ] وقوله :
77 ( ) والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ( ) 7
[ الأنعام : 39 ] .

الصفحة 707