كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 715
المؤنسين الظاهرين حتى صار أكثرهم أتباعكم ، فالآية من الاحتباك : عبر بما يدل على الستر أولاً دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانياً ، وبما معناه الاستئناس والسكون ثانياً دلالة على ضده وهو الإيحاش والنفرة - أولاً .
) وقال ( هو عطف على جواب الجن المستتر عن العامل في ( يا معشر ) الذي تقديره كما يهدي إليه الآيات التي تأتي في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة : فقالوا : ربنا هم ضلوا ، لأنهم كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا ، فاستوجبوا العذاب بمفردهم ، وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف عليه - مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم ، وذكره بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه ، لأنه خبر من لا يخلف الميعاد ، والمراد بهذه المحاورة ضرب مما بأتي تفصيله بقوله
77 ( ) قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا ( ) 7
[ الأعراف : 38 ] - الآية ، وقوله ) فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً ( - الآية ) أولياؤهم ) أي الجن ) من الإنس ) أي الذين تولوهم بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال ، معترفين مستعطفين ) ربنا ( أيها المربي لنا المحسن إلينا ) استمتع ) أي طلب المتاع وأوجده ) بعضنا ببعض ( نحن بهم فيما قالوا ، وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم ) وبلغنا ) أي نحن وهم ) أجلنا ( وأحالوا الأمر على القدر فقالوا : ( الذي أجلت لنا ( وهو الموت الذي كتبته علينا وسويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤوس حره وقره ، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به ، فاستوجبنا العذاب كلنا .
ولما تم ذلك كان كأنه قيل : فما قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة التي هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له ؟ فقيل : ( قال ) أي المخاطب لهم عن الله ) النار مثواكم ) أي منزلكم جميعاً من غير أن تنفعكم الإحالة على القدر ) خالدين فيها ) أي إلى ما لا آخر له ، لأن الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى ما لا آخر له ، فالجزاء من جنس العمل .
ولما كان من المقرر أنه لا تمام لملك من يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا يقدر على الانفكاك عنه ، بين سبحانه أن ملكه ليس كذلك ، بل هو على غاية الكمال ، لا يجب عليه شيء بل كل فعله جميل ، وجميع ما يبدو منه حسن ، فعلق دوام عذابهم على المشيئة فقال : ( إلا ما شاء ( ولما كان القصد في هذه السورة إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام الإلهية ، عبر بالاسم الأعظم فقال : ( الله ) أي الذي له رداء الكبر فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا أن يهم بذلك ، هيهات هيهات انقطعت دون ذلك الآمال ، فطلت ناكسة أعناق الرجال ، وبيده إزار العز ، فمن اختلج في سره أن يرفع ناكس عنقه ضربه بمقامع الذل ، وأنزله في مهاوي الخزي ، وقد تقرر أنه سبحانه لا يشاء انقطاع