كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 716
شيء من ذلك عنهم في حال من الأحوال ، ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال ، وفي سوقه معلقاً هكذا مع ما تقدم زيادة في عذابهم بتعليق رجائهم من انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه .
ولما كان في إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه المقال ، أتبعه اللطف بالمخاطب به ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( إن ربك ) أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك .
ولما كان السياق - في مثل هذه المقاولة في مجمع الحكم - للحكمة والعلم ، وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة أعظم ، قدم وصفها فقال : ( حكيم ) أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا يعذب بعض من أشرك ويترك بعضاً ) عليم ) أي بدقائق الأمور وجلائلها من الفريقين ، فلا يخفى عليه عمل أحد فيهمله لذلك .
ولما استبان بهذا أنه ولّى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم عليهم ، أخبر تعالى أن هذا عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان كافراً أو لا فقال : ( وكذلك ) أي ومثل تلك التولية التي سلطنا بها الجن على الإنس بما زاد عذاب الفريقين ) نولي ) أي نتبع في جميع الأزمان من جميع الخلق ) بعض الظالمين ) أي الغريقين في الظلم ) بعضاً ) أي بأن نجمع بين الأشكال ، في الأوصاف الباطنة والخصال ، ونسلط بعضهم على بعض في الضلال والإضلال ، والأوجاع والأنكال ) بما كانوا ( بجبلاتهم ) يكسبون ) أي بسبب اجتماعهم في الطباع التي طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض ، بحسب ما سببنا من الأسباب الملائمة لذلك الظلم الذي يسرناه لهم ، حتى صارت أعمالهم كلها في غير مواضعها ، فيظلم بعضهم بعضاً ويهلك بعضهم بعضاً ، وهم لا يزدادون إلا الالتئام حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب ؛ روى الطبراني في الأوسط ن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن الله عزّ وجلّ يقول : أنتقم ممن أبغض بمن أبغض ثم أصيّر كلاًّ إلى النار ) وعن مالك بن دينار قال : رأيت في بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى يقول : افني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم بأوليائي .
أو يقال : فقد أخبرنا أن الله عزّ وجلّ ولى المؤمنين بسبب محاسن أعمالهم ، ومثل ما ولاهم ليعزهم يولي بعض الظلمة بعضاً ليهينهم بسبب ما كانوا يتعاطونه من مساوئ الأعمال ورديء الخلال وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك