كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 717
الأوجاع والأوجال ، أو يقال : فقد بان أن كلاًّ من ظالمي الإنس والجن كان ولياً لكل ، وكما جعلنا بعضهم أولياء بعض في الدنيا نفعل إذا حشرناهم في النار فنجعل بعضهم أولياء - أي أتباع بعض ، ليستمتع بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً إن قدروا ، وهيهات منهم ذلك هيهات شغلهم البكاء والعويل والندم والنحيب .
ولما انقضت هذه المحاورة وما أنتجته من بغيض الموالاة والمجاورة وكان حاصلها أنها موالاة من ضرت موالاته ، أتبعها سبحانه بمحاورة أخرى حاصلها معاداة من ضرت معاداته ، فقال مبدلاً من الأولى إتماماً للتقريع والتوبيخ والتشنيع : ( يا معشر الجن ( قدمهم لأن السياق لبيان غلبتهم ) والإنس ( وبكتهم بقوله محذراً للسامعين الآن ومستعطفاً لهم إلى التوبة : ( ألم يأتكم رسل ( ولما صار القبيلان بتوجيه الخطاب نحوهم دفعة كالشيء الواحد قال : ( منكم ( وإن كان الرسل من الإنس خاصة .
ولما كان النظر في هذه السورة إلى العلم غالباً لإثبات تمام القدرة الذي هو من لوازمه بدليل
77 ( ) يعلم سركم وجهركم ( ) 7
[ الأنعام : 3 ] ،
77 ( ) أليس الله بأعلم بالشاكرين ( ) 7
[ الأنعام : 53 ]
77 ( ) وعنده مفاتح الغيب ( ) 7
[ الأنعام : 59 ] وغيرها ، ولذلك أكثر فيها من ذكر التفصيل الذي لا يكون إلاّ للعالم ، كان القص - الذي هو تتبع الأثر - أنسب لذلك فقال ) يقصون ( بالتلاوة والبيان لمواضع الدلائل ) عليكم آياتي ) أي يتبعون بالعلامات التي يحق لها بما لها من الجلال والعظمة أن تنسب إلى مواضع شبهكم ، فيحلونها حلاً مقطوعاً به ) وينذرونكم ) أي يخوفونكم ) لقاء يومكم هذا ) أي بما قالوا لكم أنه يطلبكم طلباً حثيثاً وأنتم صائرون إليه في سفن الأيام ومراكب الآثام وأنتم لا تشعرون سيراً سريعاً ) قالوا ( معذرين من أنفسهم بالذل والخضوع ) شهدنا ( بما فعلت بنا أنت سبحانك من المحاسن وما فعلنا نحن من القبائح ) على أنفسنا ) أي بإتيان الرسل إلينا ونصيحتهم لنا بدليل الآية الأخرى
77 ( ) قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ( ) 7
[ الزمر : 71 ] وبين أن ضلالهم كان بأردإ الوجوه وأسخفها الدنيا ، بحيث إنهم اغتروا بها مع دناءتها لحصورها عن الآخرة مع شرفها لغيابها فقال : ( وغرتهم ) أي شهدوا هذه الشهادة والحال أنهم قد غرتهم ) الحياة الدنيا ) أي الحاضرة عندهم إذ ذاك الدنية في نفسها لفنائها ، عن اتباع الرسل دأب الجاهل في الرضى بالدون والدابة في القناعة بالحاضر ، فشهادتهم ضارة بهم ، ولكن لم يستطيعوا كتمانها ، بل ) وشهدوا ) أي في هذا الموطن من مواطن القيامة الطوال ) على أنفسهم ( أيضاً بما هو أصرح في الضرر عليهم من هذا ، وهو ) أنهم كانوا ( جبلة وطبعاً ) كافرين ) أي غريقين في الكفر ، ويجوز أن يكون الغرور بأنهم ظنوا أحوال الآخرة تمشي على ما كانوا يألفونه في الدنيا من أن الاعتراف بالذنب والتكلم بالصدق قد ينفع المذنب ويكف من سورة المغضب