كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 719
عالم بكل شيء من ذلك وبما يستحقه العامل قادر على جزائه ، فلا يقع في وهم أن الإمهال لخفاء الاستحقاق بخفاء الموجب له ، فالآية من النصوص في كتابة الصالحين من الجن .
ولما كان طلب العبادة للائتمار والانتهاء ربما أوهم الحاجة إليها لنفع في الطاعة أو ضرر يلحقه سبحانه من المعصية ، وكان الإمهال مع المبارزة ربما ظن أنه عن عجز ، قال مرغباً مرهباً : ( وربك ) أي المحسن إليك وإليهم بغرسالك ، وحصر الخير في المبتدإ بقوله : ( الغني ) أي وحده الغني المطلق عن كل عابد وعبادته ، فليعمل العامل لنفع نفسه أو ضرها ) ذو الرحمة ) أي وحده بلإمهال والإرسال للتنبيه على ما يستحقه من الأعمال ؛ وملا كان اختصاصه بالغنى والرحمة فلا رحمة إلا منه ولا غنى إلا عنه ، وأنه ما رتب الثواب والعقارب إلا رحمة منه وجوداً ، استأنف بيان ذلك ، وأخبر عن هذا المبتدإ بوصفيه عند من جعلها وصفين بقوله مصرحاً بما أفاده : ( إن يشأ يذهبكم ) أي جميعاً بالإهلاك ، فلا يقع في ظن أحد منكم أن الإهلاك متوقف على شيء غير مشيئته ، ولكنه قضى بإمهالكم إلى آجالكم رحمة لكم وإكراماً لنبيكم ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ثم قال تحقيقاً لغناه أيضاً : ( ويستخلف ( .
ولما كان لم يجعل لأحد الخلد ، أدخل الجار فقال : ( من بعدكم ) أي بعد هلاككم ) ما يشاء ) أي يبدع غيركم من الخلق من جنسكم أو غير جنسكم كما أبدع أباكم آدم من التراب والتراب من العدم وفرعكم منه ) كما أنشأكم من ذرية ) أي نسل ) قوم آخرين ) أي بعد أن أهلكهم أجمعين ، وهم أهل السفينة وقد كنتم نطفاً في أصلابهم ، لم يكن في واحدة منها حياة .
ولما تقرر أن له الوصفين الملزومين للقدرة ، أنتج ذلك قوله جواباً لاستعجالهم بالعذاب استهزاء : ( إن ما توعدون ) أي من البعث وغيره ) لآت ) أي لا بد من وقوعه لأن المتوعد لا يبدل القول لديه ولا كفوء له يعارضه فيه ) وما أنتم بمعجزين ) أي بثابت لكم الإتيان بشيء يعجز عنه الخصم ، فتمهد الأمر من جهته ومن جهتكم لوجود المقتضي وانتفاء المانع ، وفي ذلك تقرير لأمر رحمته لأن القادر إذا اراد النقمة أخذ على غرة ولم يهدد ، وإذا أراد الرحمة تقدم بالوعيد ليحذر الفائزون ويستسلم الخاسرون .
ولما تقرر ذلك من التهديد على إنكار البعث وتحرر ، فأنتج الاجتهاد للعاقل - ولا بد - في العمل ، وكان أكثر الخلق أحق ، أمره سبحانه بالنصيحة بقوله : ( قل يا قوم ) أي يا أقرب الخلق إليّ وأعزهم عليّ ومن لهم قيام في الأمور وكفاية عند المهمات ) اعملوا ( وأشار إلى مزيد القوة بعد التعبير بالقوم بحرف الاستعلاء فقال : ( على

الصفحة 719