كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 729
أمر الحرث الذي قدم في الجملة الأولى لأنه مادة الحيوان ، قال : ( ومن ) أي وأنشأ من ) الأنعام حمولة ) أي ما يحمل الأثقال ) وفرشاً ) أي وما يفرش للذبح أو للتوليد ، ويعمل من وبره وشعره فرش ؛ ولما استوفى القسمين أمر بالأكل من ذلك كله على وجه يشمل غيره مخالفة للكفار فقال : ( كلوا مما رزقكم الله ) أي لأنه الملك الأعظم الذي لا يسوغ رد عطيته ) ولا تتبعوا ( ولعله شدد إشارة إلى العفو عن صغيرة إذا ذكّر الإنسان فيها رجع ولم يعتد في هواه ) خطوات الشيطان ) أي طريقه في التحليل والتحريم كما قال في البقرة
77 ( ) كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان ( ) 7
[ البقرة : 168 ] وعبر بذلك لأنه - مع كونه من مادة الخطيئة دال على أن شرائعه شريعة الأندراس ، لولا مزيد الاعتناء من الفسقة بالتتبع في كل خطوة حال تأثيرها لبادر إليها المحو لبطلانها في نفسها ، فلا أمر من الله يحييها ولا كتاب يبقيها ، وإنما أسقط هنا ) حلالاً طيباً ( لبيانه سابقاً في قوله
77 ( ) فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( ) 7
[ الأنعام : 118 ] ،
77 ( ) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ( ) 7
[ الأنعام : 121 ] ، ولاحقاً في قوله
77 ( ) قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ( ) 7
[ الأنعام : 125 ] ؛ ثم علل نهيه عن اتباعه فقال : ( إنه لكم عدو ) أي فهو لذلك لا يأمركم بخير ) مبين ) أي ظاهر العداوة لأن أمره مع أبيكم شهير .
ولما رد دين المشركين وأثبت دينه ، وكانوا قد فصلوا الحرمة بالنسبة إلى ذكور الآدمي وإناثه ، ألزمهم تفصيلها بالنسبة إلى ذكور الأنعام وإناثه ، ففصل أمرها في أسلوب أبان فيها أن فعلهم رث القوى هلهل النسيج بعيد من قانون الحكمة ، فهو موضع للاستهزاء وأهل للتهكم ، فقال بياناً ل ) حمولة وفرشاً ( ) ثمانية أزواج ) أي أصناف ، لا يكمل صنف منها غلا بالآخر ، أنشأها بزواج كل من الذكر والأنثى الآخر ، ولحق بتسميتهم الفرد بالزوج - بشرط أن يكون آخر من جنسه - تسميتهم الزجاجة كأساً بشرط أن يكون فيها خمر .
ولما كان الزوج يطلق على الاثنين وعلى ما معه آخر من نوعه ، قال مبيناً أن هذا هو المراد لا الاثنان مفصلاً لهذه الثمانية : ( من الضأن ( جمع ضائن وضائنة كصاحب وصحب ) اثنين ) أي ذكراً وأنثى كبشاً ونعجة ) ومن المعز ( جمع ماعز وماعزة كخادم وخدم في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ، وتاجر وتجر في قراءة غيرهم ) اثنين ) أي زوجين ذكراً وأنثى تيساً وعنزاً .
ولما كان كأنه قيل : ما المراد بهذا التفصيل قبل سؤالهم عن دينهم ، قال : ( قل ) أي لهم مستفهماً ؛ ولما كان هذا الاستفهام بمعنى التوبيخ والتهكم والإنكار ، أتى فيه ب ( أم ) التي هي مع الهمزة قبلها بمعنى ( أيّ ) ليتفهم بها عما يعلم ثبوت بعضه وإنما يطلب