كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 731
ولما كان يلزم من شرعهم لهذه الأمور إضلال من تبعهم فيها عن الصراط السوي ، وكانوا يدعون أنهم أفطن الناس وأعرفهم بدقائق الأمور في بداياتها ونهاياتها وما يلزم عنها ، جعل غاية فعلهم مقصوداً لهم تهكماً بهم فقال : ( ليضل الناس ( ولما كان الضلال قد يقع من العالم الهادي خطأ ، قال : ( بغير علم ( .
ولما كان هذا محل عجب ممن يفعل هذا ، كشفه سبحانه بقوله استئنافاً : ( إن الله ( وهو الذي لا حكم لأحد سواه لا يهديهم ، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر تعميماً بما هو أعم من وصفهم ليكون الحكم عليهم بطريق الأولى فقال : ( لا يهدي القوم الظالمين ) أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها فكيف بالأظلمين وما أحسن هذا الختم لأحكامهم وأنسبه لما بناها عليه من قوله ) ) إنه لا يفلح الظالمون ( ) [ الأنعام : 21 ] .
الأنعام : ( 145 ) قل لا أجد. .. . .
) قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ( )
ولما تضمن قوله افتراء عليه افتراء على الله والتعبير في ذلك كله بالاسم الأعظم أن كون التحريم ليس غلاّ من الله أمر معلوم ليس موضعاً للشك لأنه الملك الأعظم ولا حكم لغير الملك ، ومن حكم عن غير أمره عذب ؛ حسن بعد إبطال دينهم والبيان لأن من حرم شيئاً بالتشهي مضل وظالم قولُه مبيناً البيان الصحيح لما يحل ويحرم جواباً لمن يقول : فما الذي حرمه سبحانه وما الذي أحله : ( قل ( معلماً بأن التحريم لا يثبت إلاّ بوحي من الله ) لا أجد ) أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان ، فإن ( لا ) كلمة لا تدخل على مضارع إلاّ وهو بمعنى الاستقبال ) في ما ( ولما كان ما آتاه ( صلى الله عليه وسلم ) قد ثبت بعجزهم عن معارضته أنه من الله ، بني للمفعول قوله : ( أوحي إليّ ) أي من القرآن والسنة شيئاً مما تقدم مما حرمتموه مطلقاً أو على حال دون حال وعلى ناس دون آخرين طعاماً ) محرماً على طاعم ( أيّ طاعم كان من ذكر أو أنثى ) يطعمه ) أي يتناوله أكلاً وشرباً أو دواء أو غير ذلك ) إلا أن يكون ) أي ذلك الطعام ) ميتة ) أي شرعاً ، والميتة الشرعية هي ما لا يقبل التذكية ، وهو كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية ) أو دماً مسفوحاً ) أي مراقاً من شأنه السيلان لا من شأنه الجمود كالكبد والطحال .
ولما كان النصارى قد اتخذوا أكل الخنزير ديناً ، نص عليه وإن كان داخلاً في قوله ( ميتة ) على ما قررته في المراد بها ، وقال : ( أو لحم خنزير ( ليفيد تحريمه على كل

الصفحة 731