كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 732
حال سواء ذبح أم لا ، ولو قيل : أو خنزيراً لاحتمل أن يراد تحرم ما أخذ منه حياً فقط ، وقال : ( فإنه ) أي الخنزير ) رجس ( ليفيد نجاسة عينه وهو حي ، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى ، وكل ما وافقه في هذه العلة كان نجساً ، لا يعاد الضمير على اللحم لأنه قد علمت نجاسته من تحريمه لعينه ، فلو عاد عليه كان تكراراً .
ولما ذكر المحرم لعينه ذكر المحرم لعارض ، فقال مبالغاً في النفي عنه بأن جعله نفس المعنى الذي وقع النهي لأجله : ( أو فسقاً ) أي أو كان الطعام خروجاً مما ينبغي القرار فيه من فسيح جناب الله الذي من توطنه أمن واهتدى وسلم من ضيق الهوى في ذكر الغير الذي من خرج إليه خاف وضل ، وهلك وتوى ؛ ثم قال مفسراً له مقدماً لما هو داخل في الفسق من الالتفات إلى الغير : ( أهل لغير الله ) أي الذي له كل شيء لأن له الكمال كله ) به ) أي ذكر غير اسمه عليه بأن ذبح له تديناً ؛ ثم ذكر لطفه بهذه الأمة في إباحته لهم في حال الضرورة كل محرم رحمة منه لهم وستراً لتقصيرهم فقال : ( فمن اضطر ) أي حصل له جوع خشي منه التلف ، وبني للمفعول لأن المعتبر حصول الاضطرار لا كونه من معين ، ومن التعبير بذلك تؤخذ حرمة ما زاد على سد الرمق لأنه حينئذٍ لا يكون مضطراً ) غير باغ ) أي على غيره بمكيدة ) ولا عاد ) أي على غيره بقوته ولا متجاوز سد الضرورة ) فإن ربك ) أي المحسن إليك بإرسالك وغلى أمتك الضعيفة بجعل دينها الحنيفية السمحة ) غفور ) أي يمحو الذنب إذا أراد ) رحيم ) أي يكرم المذنب بعد الغفران بأنواع الكرامات ، فهو جدير بأن يمحو عن هذا المضطر أثر تلك الحرمة التي كدرها ويكرمه بأن يجعل له - في حفظه بذلك لنفسه إذا صحت فيه نيته - أجراً عظيماً ، وقد تكلفت الآية على وجازتها بجميع المحرمات من المأكولات مع الإشارة بلفظ الرجس والفسق إلى جميع أصناف المحرمات وإلى أن ارتكابها موجب للخبث والانسلاخ من الخير ، وذلك هو سبب تحريمها ؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة : وجه إنزال هذا الحرف - أي حرف الحرام - طهرة الخلق من مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم ، فما اجتمعت فيه كان أشد تحريماً وما وجد فيه شيء منها كان تحريمه بحسب تأكيد الضرورة إلى طهرته ، وكما اختلف أحوال بني آدم بحسب اختلاف طينتهم من بين خبيث وطيب وما بين ذلك ، اختلف أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من رزقهم ، فمن اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذى به وأوصافه في نفسه ، ورين على القلب أو صفاء ، لتقويه بما يسمى عليه من ذكر الله أو كفر به بذكر غيره ، وجامع منزله على حده من استثناء قليله من متسع الحلال قوله تعالى
77 ( ) قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو