كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 734
قوله تعالى :
77 ( ) ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ( ) 7
[ البقرة : 188 ] - الآية إلى ما ينتظم به من قوله تعالى
77 ( ) يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ( ) 7
[ النساء : 29 ] إلى ما ينتظم به من قوله تعالى :
77 ( ) وآتوا اليتامى أموالهم ( ) 7
[ النسا : 2 ] - الآيات في أموال اليتامى ، فحرمه تعالى من جهة الأعلى والمثيل والأدنى ، وانتظم التحرير في ثلاثة أصول : من جهة ما بين الله وبين عبده ومن جهة ما بين العبد وبين نفسه ، ومن جهة ما بين العبد وبين غيره ، مما تستقرأ جملة آية في القرآن وأحاديثه في السنة ومسائله في فقه الأئمة ؛ ولما كان له متسع ، وقع فيما بين الحلال البين والحرام البين أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس ، لأنها تشبه الحلال من وجه وتشبه الحرام من وجه ، فلوقوعها بينهما يختلف فيها ولعرضه في الأولى ، وعن حماية الله عباده عن وبيل الحرام تحقق لهم اسمه ( الطيب ) ، فلم يتطبب بطب الله من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها ، وهو الورع الذي هو ملاك الدين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف الحرام تماماً في العلم والحال والعمل : اعلم أن الإنسان لما كان خلقاً جامعاً كانت فيه بزرتان : بزرة للخير وبزرة للشر ، وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة نبات بزرة الشر تنمو فيه وتزكو بزرة الخير ، ولكل واحدة من البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده ، فأول الحروف في الترتيب العمل ، والأساس لما بعده هو قراءة حرف الحرام ، لتحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان فمن غذي بالحرام في طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته إلا أن يطهر الله بما شاء من نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء ، فهو الأساس الذي ينبني عليه تطهر النفس من المناهي وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل ، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم ويؤذي النفس وما يكره الخلق وما يغضب الرب ، فمن أصاب شيئاً من ذلك ولم يبادر إليه بالتوبة عذب بكل آية قرأها وهو مخالف لحكمها ( من لم يبال من أيّ باب دخل عليه رزقه لم يبال الله من أيّ باب أدخله النار ) .
ولما كان الورع كف اليد ظاهراً عن الشيء الضار ، وكانت الجوارح لا ت نقاد إلا عن تأثر من النفس ، لم يصح الورع ظاهراً إلا أن يقع في النفس روعة باطنه من تناول ذلك الشيء ؛ ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصر القلب في الضار كما لا ينكف اليد إلا عند تقذر النفس لما تدرك العين قذره حتى أن النفس الرضية تانف من المحرمات كما يأنف المستنطف من المستقذرات ، فأكلة الحرام هم دود جيفة الدنيا يستقذرهم أهل البصائر كما يستقذرون هم دود جيف المزابل .