كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 738
أهل الضلال ، فقال مخبراً بما سيقولونه قبل وقوعه دلالة على صدق رسله وكذب المشركين فيما يخالفونهم فيه : ( سيقول ) أي في المستقبل ، وأظهر موضع الإضمار تنصيصاً عليهم وتبكيتاً لهم فقال : ( الذين أشركوا ( تكذيباً منهم ) لو شاء الله ) أي الذي له جميع الكمال عدم إشراكنا وتحريمنا ) ما أشركنا ) أي بصنم ولا غيره ) ولا أباؤنا ) أي ما وقع من إشراك ) ولا حرمنا من شيء ) أي ما تقدم من البحائر والسوائب والزروع وغيرها أي ولكنه لم يشأ الترك وشاء الفعل ففعلنا طوع مشيئته ، وهو لا يشاء إلا الحق والحكمة لأنه قادر ، فلو لم يكن حقاً يرضاه لمنعنا منه ، وهو لم يمنعنا منه فهو حق .
ولما كان هذا عناداً منهم ظاهراً بعد وضوح المر بما أقام على صدق رسله من البينات ، كان كأنه قيل تعجباً منهم : هل فعل أحد غيرهم مثل فعلهم هذا أو قال مثل ما قالوا ؟ فقيل : نعم ) كذلك ) أي مثل ذلك التكذيب البعيد عن الصواب ) كذب الذين ( ولما لم يكن التكذيب عاماً أدخل الجار فقال : ( من قبلهم ( من الأمم الخالية بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثاً ، فكانت دعوى الأنبياء باطلة ، وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام ومِلكه عام ، فهو لا يسأل عما يفعل ، وتمادى بهم غرور التكذيب ) حتى ذاقوا بأسنا ) أي عذابنا لما لنا من العظمة ، فإن من له الأمر كله لا يسأل عما يفعل ، فلم ينفعهم عنادهم عند ذوق البأس ، بل انحلت عزائم همهم فخضعوا لنا وآمنوا برسلنا ، فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ، فالآية من الاحتباك : أثبت أولاً الإشراك دليلاً على حذفه ثانياً ، وثانياً التكذيب دليلاً على حذفه أولاً ، وسيأتي توجيه أنه لا بد من تضليل إحدى الطائفتين المتعاندتين وإن كان الكل بمشيئة الله ، لأنه لا مانع من إتيان الأمر على خلاف الإرادة .
ولما كان ما قالوه شبهة بعيدة عن العلم ، أعلى درجاتها أن يكون من أنواع الخطابة فتفيد الظن في أعظم مسائل علم الأصول الذي لا يحل الاعتماد فيه إلا على القواطع ، أمره أن يقول لهم ما ينبههم على ذلك فقال : ك ) قل ) أي لهؤلاء الذين تلقوا ما يلقيه الشيطان إليهم - كما أشير إليه في سورة الحج - تهكماً بهم في بعدهم عن العلم وجدالهم بعد نهوض الحجج ) هل عندكم ( أيها الجهلة ، وأغرق في السؤال فقال : ( من علم ) أي يصح الاحتجاج به في مثل هذا المقام الضنك ) فتخرجوه لنا ) أي لي ولأتباعي وإن كان مما يجب أن يكون مكنوناً مضنوناً به على غير أهله مخزوناً ، فهو تهكم بهم .
ولما كان جوابهم عن هذا السكوت لأنه لا علم عندهم ، قال دالاً على ذلك :