كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 741
) أتل ) أي أقرأ ، من التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضاً .
ولما كان القصد عموم كل أحد بالتلاوة وإنما خص المخاطبين بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك ، وكان المحرم أهم ، قدمه فقال : ( ما حرم ربكم ) أي المحسن إليكم بالتحليل والتحريم ) عليكم ( فسخطه منكم ، وما وصاكم به إقداماً وإحطاماً فرضيه لكم من قبيلي الأصول والفروع ؛ ثم فسر فعل التلاوة ناهياً عن الشرك ، وما بعده من مضمون الأمر إنما عدي عنها ، فقال : ( ألا تشركوا به شيئاً ( الآيات مرتباً جملها أحسن ترتيب ، فبدأ بالتوحيد في صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل ، فإن التقية بالحمية قبل الدواء ، وقرن به البر لأنهما من باب شكر المنعم وتعظيماً لأمر العقوق ، ثم أولاه القتل الذي هو أكبر الكبائر بعد الشرك ، وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه فعله خوف القلة ، فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم ، أتبعه ما لأول منعم بعده بالتسبب في الوجود ، فقال ناهياً عن الإساءة في صورة الأمر بالإحسان على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما ، وكذا جميع المأمورات ساقها هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأموراً بها منهياً عن أضدادها ، فيكون ذلك أوكد لها وأضخم : ( وبالوالدين ) أي افعلوا بهما ) إحساناً ( .
ولما أوصى بالسبب في الوجود ، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال : ( ولا تقتلوا أولادكم ( ولما كان النهي عاماً ، وكان ربما وجب على الولد قتل ، خص لبيان الجهة فقال : ( من إملاق ) أي من أجل فقر حاصل بكم ، ثم علل ذلك ، ولأجل أن الظاهر هو حصول الفقر قدم الآباء فقال : ( نحن نرزقكم ( بالخطاب ، أي أيها الفقراء ، ثم عطف عليه الأبناء فقال : ( وإياهم ( وظاهر قوله في الإسراء
77 ( ) خشية إملاق ( ) 7
[ الإسراء : 31 ] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء الفقر ، فبدأ بالأولاد فقال : ( نحن نرزقهم ) ثم عطف الآباء فقال ( وإياكم ) - نبه عليه أبو حيان .
ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد الشرك ، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش ، وهي ما غلظت قباحته ، وعظم أمرها بالنهي عن القربان فضلاً عن الغشيان فقال : ( ولا تقربوا الفواحش ( ثم أبدل منها تأكيداً للتعميم قوله : ( ما ظهر منها ) أي الفواحش ) وما بطن ( ثم صرح منها بمطلق القتل تعظيماً له بالتخصيص بعد التعميم فقال : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ) أي الملك الأعلى عليكم قتلها ) إلا بالحق ) أي الكامل ، ولا يكون كاملاً غلا وهو كالشمس وضوحاً لا شبهة فيه ، فصار قتل الولد منهياً عنه ثلاث مرات ؛ ثم أكد المذكور بقوله : ( ذلكم ) أي الأمر العظيم في هذه المذكورات .
ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس ، ختمها بما لا يقوله إلا المحب

الصفحة 741