كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 743
الملك الأعظم خاصة ) أوفوا ( وهذا يشمل كل ما على الإنسان وله ، فإن الله لم يهمل شيئاً بغير تقدم فيه ؛ ثم أكد تعظيم ذلك بقوله : ( ذلكم ) أي الأمر المعتنى به ) وصّاكم به ) أي ربكم المحسن إليكم .
ولما كانت هذه الأفعال والأقوال شديداً على النفس العدلُ فيها لكونها شهوات ، تقدم بالترغيب فيها والترهيب منها بأن كل من يفعل شيئاً منها مع غيره يوشك أن يفعل معه مثله ، فلذلك حض على التذكر في الوصية بها ولأنها خفية تحتاج إلى مزيد تدبر فقال : ( لعلكم تذكرون ) أي لتكونوا بحيث يحصل لكم التذكر - ولو على وجه خفي بما أشار إليه الإدغام - فيما جبلت عليه نفوسكم من محبة مثل ذلك لكم ، فتحكموا لغيركم بما تحكمون به لأنفسكم .
ولما قرر هذه الشرائع ، نبه على تعظيمها بالخصوص على وجه يعم جميع ما ذكر في السورة بل وفي غيرها ، فقال عاطفاً على ما تقديره - عطفاً على المنهيات وأضداد المأمورات على وجه يشمل سائر الشريعة - : ولا تزيغوا عن سبيلي : ( وأن ) أي ولأن - على قراءة الجماعة بالفتح ، أي اتبعوه لذلك ، وعلى قراءة ابن عامر ويعقوب بالكسر هو ابتداء ) هذا ) أي الذي شرعته لكم ) صراطي ( حال كونه ) مستقيماً فاتبعوه ) أي بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل خير .
ولما كان الأمر باتباعه متضمناً للنهي عن غيره ، صرح به تأكيداً لأمره فقال : ( ولا تتبعوا السبل ) أي المنشعبة عن الأهوية المفرقة بين العباد ، ولذا قال مسبباً ) فتفرق بكم ) أي تلك السبل الباطلة ) عن سبيله ( ولما مدحه آمراً به ناهياً عن غيره مبيناً للعلة في ذلك ، أكد مدحه فقال : ( ذلكم ) أي الأمر العظيم من اتباعه ) وصّاكم به ( .
ولما كان قد حذر من الزلل عنه ، وكان من المعلوم أن من ضل عن الطريق الأقوم وقع في المهالك ، وكان كل من يتخيل أنه يقع في مهلك يخاف ، قال : ( لعلكم تتقون ) أي اتبعوه واتركوا غيره ليكون حالكم حال من يرجى له أن يخاف من أن يزل فيضل فيهلك ، وهذا كما مدحه سبحانه سابقاً في قوله
77 ( ) وهذا صراط ربك مستقيماً ( ) 7
[ الأنعام : 126 ] ،
77 ( ) قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون ( ) 7
[ الأنعام : 126 ] وفصل ما هنا من الأحكام في ثلاث آيات ، وختم كل آية لذلك بالوصية ليكون ذلك آكد في القول فيكون أدعى للقبول ، وختم كل واحدة منها بما ختم لأنه إذا كان العقل دعا إلى التذكير فحمل على التقوى .

الصفحة 743