كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 77
الروحانية الحياتية فيه دائماً ، لا يطرقه طارق موت الظاهر حيث قتل شهيداً - انتهى .
) مصدقاً بكلمة ) أي نبي خلق بالكلمة لا بالمعالجة العادية ، يرسله الله سبحانه وتعالى إلى عباده فيكذبه أكثرهم ويصدقه هو ، وإطلاق الكلمة عليه من إطلاق السبب على المسبب قال الحرالي : فكان عيسى عليه الصلاة والسلام كلمة الله سبحانه وتعالى ، ويحيى مصدقه بما هو منه كمال كلمته حتى أنهما في سماء واحدة ، ففي قوله : ( من الله ( إشعار بإحاطته في ذات الكلمة - انتهى ) وسيداً وحصوراً ) أي فلا يتزين بزينة لأنه بالغ الحبس لنفسه والتضييق لعيها في المنع من النكاح .
قال في القاموس : والحصور من لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك ، أو الممنوع منهن ، أو من لا يشتهيهن ولا يقربهن ، والمجبوب - والهَيوب المحجم عن الشيء .
وقال الحرالي : وهو من الحصر وهو المنع عما شأن الشيء أن يكون مستعملاً فيه - انتهى ) ونبياً ( ولما كان النبي لا يكون إلا صالحاً لم يعطف بل قال : ( من الصالحين ( إعلاماً بمزية رتبة الصلاح واحتراز من المتنبيين ، فكأنه قيل : فما قال حين أجابه ربه سبحانه وتعالى ؟ فقيل : ( قال ( يستثبت بذلك ما يزيده طمأنينة ويقيناً وسكينة ) رب ) أي أيها المحسن إلي .
ولما كان مطلوبه ولداً يقوم مقامه فيما هو فيه نم النبوة التي لا يطيقها إلا الذكور الأقويا الكلمة ، وكانت العادة قاضية بأن ولد الشيخ يكون ضعيفاً لا سيما إن كان حرثه مع الطعن في السن في أصله غير قابل للزرع أحب أن يصرح له بمطلوبه فقال : ( أنّى ) أي كيف ومن أين ) يكون لي ( وعبر بما تدور مادته على الغلبة والقوة زيادة في الكشف فقال : ( غلام ( وفي تعبيره به في سياق الحصور دليل على أنه في غاية ما يكون من صحة الجسم وقوته اللازم من شدة الداعية إلى النكاح ، وهو مع ذلك يمنع نفسه منه منعاً زائداً على الحد ، لما عنده من غلبة لاشهود اللازم منه الإقبال على العبادة بكليته والإعراض عن كل ما يشغل عنها جملة لا سيما النكاح ، بحيث يظن أنه لا إرب له فيه ، وهذا الموافق للتعبير الأول للحصور في القاموس ، وهو الذي ينبغي ألا يعرج على غيره لأنه بناء مبالغة من متعد ، ولأنه أمدح له ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومهما دار الشيء على صفة الكمال في الأنبياء عليهم السلام وجب أن لا يعدل عنه ، وما ورد - كا يأتي إن شاء الله تعالى في سورة مريم عليها السلام - أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( ذكره مثل هذه القذاة ) فقد ضعفوه ، وعلى تقدير صحته فيكون ذلك إخباراً عن أنه لما أعرض عنه رأساً ضعف ما معه

الصفحة 77