كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 91
مضى مقدمات لها : ( ورسولاً ( عطفاً على ( تالياً ) المقدر ، أو ينصب بتقدير : يجعله ) إلى بني إسراءيل ) أي بالإنجيل .
ولما كان ذكر الرسالة موجباً لتوقع الآية دلالة على صحتها ، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان الرسالة مقروناً بحرف التوقع فقال : ( أني ) أي ذاكراً أني ) قد جئتكم بآية من ربكم ) أي الذي طال إحسانه إليكم ، ثم أبدل من ( آية ) ) إني أخلق لكم ) أي لأجل تربيتكم بصنائع الله ) من الطين ( قال الحرالي : هو متخمر الماء والتراب حيث يصير متهيئاً لقبول وقع الصورة فيه ) كهيئة ( وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحسن - انتهى وهي الصورة المتهيئة لما يراد منها ) الطير ( ثم ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة بقوله معقباً للتصوير : ( فأنفخ ( قال الحرالي : من النفخ ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى .
) فيه ) أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة ) فيكون طيراً ) أي طائراً بالفعل - كما في قراءة نافع ، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة ، ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه بقوله : ( بإذن الله ) أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال ، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيراً بخلق آدم عليه السلام من تراب ، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك .
ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما ردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه ، وكان الغلب عليهم الطب وبدأ بأجزائها فقال : ( وأبرىء ( قال الحرالي : من الإبراء وهو تمام التخلص من الداء ، والداء ما يوهن القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار - انتهى .
) الأكمه والأبرص ( بإيجاد ما فقد نمهاما من الروح المعنوي ؛ والكمه - قال الحرايل - ذهاب البصر في اصل معناه : تلمع الشيء بلمع خلاف ما هو عليه ، ومنه براص الأرض - ليقع لا نبت فيها ، ومنه البريص في معنى البصيص ، فما تلمع من الجلد على غير حاله فهو لذلك برص وقال الحرالي : البرص عبارة عن سور مزاج يحصل بسببه تكرج ، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد - انتهى .
ولما فرغ من رد الأرواح إلى جزاء الجسم أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البَعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال : ( وأحي الموتى ( ي برد أرواحهم إلى أشباحهم ، بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة ، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل ، وقد أعطاني

الصفحة 91