كتاب بداية المجتهد - ط الحلبي (اسم الجزء: 2)

لم يلف عمل أهل المدينة عليه مع أنه قد عارضه عنده ما رواه من منقطع حديث ابن مسعود أنه قال:" أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو يترادان" فكأنه حمل هذا على عمومه وذلك يقتضي أن يكون في المجلس وبعد المجلس.
ولو كان المجلس شرطا في انعقاد البيع لم يكن يحتاج فيه إلى تبيين حكم الاختلاف في المجلس لأن البيع بعد لم ينعقد ولا لزم بل بالافتراق من المجلس وهذا الحديث منقطع ولا يعارض به الأول وبخاصة أنه لا يعارضه إلا مع توهم العموم فيه والأولى أن ينبني هذا على ذلك وهذا الحديث لم يخرجه أحد مسندا فيما أحسب فهذا هو الذي اعتمده مالك رحمه الله في ترك العمل بهذا الحديث.
وأما أصحاب مالك فاعتمدوا في ذلك.
على ظواهر سمعية وعلى القياس فمن أظهر الظاهر في ذلك قوله عز وجل :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } والعقد هو الإيجاب والقبول والأمر على الوجوب وخيار المجلس يوجب ترك الوفاء بالعقد لأن له عندهم أن يرجع في البيع بعد ما أنعم ما لم يفترقا.
وأما القياس فإنهم قالوا عقد معاوضة فلم يكن لخيار المجلس فيه أثر أصله سائر العقود مثل النكاح والكتابة والخلع والرهون والصلح على دم العمد فلما قيل لهم إن الظواهر التي تحتجون بها يخصصها الحديث المذكور فلم يبق لكم في مقابلة الحديث إلا القياس فيلزمكم على هذا أن تكونوا ممن يرى تغليب القياس على الأثر وذلك مذهب مهجور عند المالكية وإن كان قد روي عن مالك تغليب القياس على السماع مثل قول أبي حنيفة فأجابوا عن ذلك بأن هذا ليس من باب رد الحديث بالقياس ولا تغليب وإنما هو من باب تأويله وصرفه عن ظاهره.
قالوا وتأويل الظاهر بالقياس متفق عليه عند الأصوليين.
قالوا و فيه تأويلان أحدهما أن المتبايعين في الحديث المذكور هما المتساومان اللذان لم ينفذ بينهما البيع فقيل لهم إنه يكون الحديث على هذا لا فائدة فيه لأنه معلوم من دين الأمة أنهما بالخيار إذ لم يقع بينهما عقد بالقول.
وأما التأويل الآخر فقالوا إن التفرق ههنا إنما هو كناية عن الافتراق بالقول لا التفرق بالأبدان كما قال الله تعالى :{ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً مِنْ سَعَتِهِ} والاعتراض على هذا أن هذا مجاز لا حقيقة والحقيقة هي التفرق بالأبدان.
ووجه الترجيح أن يقاس بين ظاهر هذا اللفظ والقياس فيغلب الأقوى.
والحكمة في ذلك هي لموضع الندم فهذه هي أصول الركن الأول الذي هو العقد.

الصفحة 171