كتاب بداية المجتهد - ط الحلبي (اسم الجزء: 2)

أو لم يأمر وقال أبو حنيفة إن كان ادعى دفعها إلى من أمره بدفعها فالقول قول المستودع مع يمينه فإن أقر المدفوع إليه بالوديعة أعني إذا كان غير المودع وادع التلف فلا يخلو أن يكون المستودع دفعها إلى أمانة وهو وكيل المستودع أو إلى ذمة فإن كان القابض أمينا فاختلف في ذلك قول ابن القاسم فقال مره يبرأ الدافع بتصديق القابض وتكون المصيبة من الآمر الوكيل بالقبض ومرة قال لا يبرأ الدافع إلا بإقامة البينة على الدفع أو يأتي القابض بالمال.
وأما إن دفع إلى ذمة مثل أن يقول رجل للذي عنده الوديعة ادفعها إلي سلفا أو تسلفا في سلعة أو ما أشبه ذلك فإن كانت الذمة قائمة برئ الدافع في المذهب من غير خلاف وإن كانت الذمة خربة فقولان.
والسبب في هذا الاختلاف كله أن الأمانة تقوي دعوى المدعي حتى يكون القول قوله مع يمينه فمن شبه أمانة الذي أمره المودع أن يدفعها إليه أعني الوكيل بأمانة المودع عنده قال يكون القول قوله في دعواه التلف كدعوى المستودع عنده ومن رأى أن تلك الأمانة أضعف قال لا يبرأ الدافع بتصديق القابض مع دعوى التلف ومن رأى المأمور بمنزله الآمر قال القول قول الدافع للمأمور كما كان القول قوله مع الآمر وهو مذهب أبي حنيفة ومن رأى أنه أضعف منه قال الدافع ضامن إلا أن يحضر القابض المال وإذا أودعها بشرط الضمان فالجمهور على أنه لا يضمن وقال الغير يضمن.
وبالجملة فالفقهاء يرون بأجمعهم أنه لا ضمان على صاحب الوديعة إلا أن يتعدى ويختلفون
في أشياء هل هي تعد أم ليس بتعد فمن مسائلهم المشهورة في هذا الباب إذا أنفق الوديعة ثم رد مثلها أو أخرجها لنفقته ثم ردها فقال مالك يسقط عنه الضمان بحالة مثل إذا ردها وقال أبو حنيفة إن ردها بعينها قبل أن ينفقها لم يضمن وإن رد مثلها ضمن وقال عبد الملك والشافعي يضمن في الوجهين جميعا فمن غلظ الأمر ضمنه إياها بتحريكها ونية استنفاقها ومن رخص لم يضمنها إذا أعاد مثلها.
ومنها اختلافهم في السفر بها فقال مالك ليس له أن يسافر بها إلا أن تعطى له في سفر وقال أبو حنيفة له أن يسافر بها إذا كان الطريق آمنا ولم ينهه صاحب الوديعة.
ومنها أنه ليس للمودع عنده أن يودع الوديعة غيره من غير عذر فإن فعل ضمن وقال

الصفحة 311