كتاب بداية المجتهد - ط الحلبي (اسم الجزء: 2)

أبو حنيفة إن أودعها عند من تلزمه نفقته لم يضمن لأنه شبهه بأهل بيته وعند مالك له أن يستودع ما أودع عند عياله الذين يأمنهم وهم تحت غلقه من زوج أو ولد أو أمة ومن أشبههم.
وبالجملة فعند الجميع أنه يجب عليه أن يحفظها مما جرت به عادة الناس أن تحفظ أموالهم فما كان بينا من ذلك أنه حفظ اتفق عليه وما كان غير بين أنه حفظ اختلف فيه مثل اختلافهم في المذهب فيمن جعل وديعة في جيبه فذهبت والأشهر أنه يضمن وعند ابن وهب أن من أودع وديعة في المسجد فجعلها على نعله فذهبت أنه لا ضمان عليه.
ويختلف في المذهب في ضمانها بالنسيان مثل أن ينساها في موضع أو ينسى من دفعها إليه أو يدعيها رجلان فقيل يحلفان وتقسم بينهما وقيل إنه يضمن لكل واحد منهما.
وإذا أراد السفر فله عند مالك أن يودعها عند ثقة من أهل البلد ولا ضمان عليه قدر على دفعها إلى الحاكم أو لم يقدر.
واختلف في ذلك أصحاب الشافعي فمنهم من يقول إن أودعها لغير الحاكم ضمن وقبول الوديعة عند مالك لا يجب في حال ومن العلماء من يرى أنه واجب إذا لم يجد المودع من يودعها عنده ولا أجر للمودع عنده على حفظ الوديعة وما تحتاج إليه من مسكن أو نفقة فعلى ربها.
واختلفوا من هذا الباب في فرع مشهور وهو فيمن أودع مالا فتعدى فيه واتجر به فربح فيه هل ذلك الربح حلال له أم لا فقال مالك والليث وأبو يوسف وجماعة إذا رد المال طاب له الربح وإن كان غاصبا للمال فضلا عن أن يكون مستودعا عنده.
وقال أبو حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن يؤدي الأصل ويتصدق بالربح وقال قوم لرب الوديعة الأصل والربح.
وقال قوم هو مخير بين الأصل والربح وقال قوم البيع الواقع في تلك التجارة فاسد وهؤلاء هم الذين أوجبوا التصدق بالربح إذا مات.
فمن اعتبر التصرف قال الربح للمتصرف ومن اعتبر الأصل قال الربح لصاحب المال.
ولذلك لما أمر عمر رضي الله عنه ابنيه عبد الله وعبيد الله أن يصرفا المال الذي أسلفهما أبو موسى الأشعري من بيت المال فاتجرا فيه فربحا قيل له لو جعلته قراضا فأجاب إلى ذلك لأنه قد روي أنه قد حصل للعامل جزء ولصاحب المال جزء وأن ذلك عدل.

الصفحة 312