المدينة من أصحاب مالك وغيره ولي الدم بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية رضي القاتل أو لم يرض وروى ذلك أشهب عن مالك إلا أن المشهور عنه هي الرواية الأولى.
فعمدة مالك في الرواية المشهورة حديث أنس بن مالك في قصة سن الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كتاب الله القصاص" فعلم بدليل الخطاب أنه ليس له إلا القصاص.
وعمدة الفريق الثاني حديث أبي هريرة الثابت "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يأخذ الدية وبين أن يعفو" هما حديثان متفق على صحتهما لكن الأول ضعيف الدلالة في أنه ليس له إلا القصاص.
والثاني نص في أن له الخيار.
والجمع بينهما يمكن إذا رفع دليل الخطاب من ذلك فإن كان الجمع واجبا وممكنا فالمصير إلى حديث الثاني واجب والجمهور على أن الجمع واجب إذا أمكن وأنه أولى من الترجيح وأيضا فإن الله عز وجل يقول :{ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وإذا عرض على المكلف فداء نفسه بمال فواجب عليه أن يفديها أصله إذا وجد الطعام في مخمصة بقيمة مثله وعنده ما يشتريه أعني أنه يقضي عليه بشرائه فكيف بشراء نفسه ويلزم على هذه الرواية إذا كان للمقتول أولياء صغار وكبار أن يؤخر القتل إلى أن يكبر الصغار فيكون لهم الخيار.
ولاسيما إذا كان الصغار يحجبون الكبار مثل البنين مع الإخوة.
قال القاضي وقد كانت وقعت هذه المسألة بقرطبة حياة جدي رحمه الله فأفتى أهل زمانه بالرواية المشهورة وهو أن لا ينتظر الصغير فأفتى هو رحمه الله بانتظاره على القياس فشنع أهل زمانه ذلك عليه لما كانوا عليه من شدة التقليد حتى اضطر أن يضع في ذلك قولا ينتصر فيه لهذا المذهب وهو موجود بأيدي الناس.
والنظر في هذا الباب هو في قسمين في العفو والقصاص.
والنظر في العفو في شيئين أحدهما فيمن له العفو ممن ليس له وترتيب أهل الدم في ذلك وهل يكون له العفو على الدية أم لا وقد تكلمنا في هل له العفو على الدية.
وأما من لهم العفو بالجملة فهم الذين لهم القيام بالدم والذين لهم.
القيام بالدم هم العصبة عند مالك وعند غيره كل من يرث وذلك أنهم أجمعوا على أن المقتول عمدا إذا كان له بنون بالغون فعفا أحدهم أن القصاص قد بطل ووجبت الدية.