كتاب النكت الوفية بما في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

قال: ((ومنَ المتَسَاهلينَ: عبدُ اللهِ بنُ لهيعَةَ (¬1) المصريُّ تُرِكَ الاحتجَاجُ بهِ معَ جلالَتهِ؛ لِتَسَاهُلِهِ. ذُكرَ عن يَحيَى بنِ حَسَّانَ (¬2): أنَّهُ رَأَى قَوْماً مَعَهُمْ جُزْءٌ سَمِعُوهُ مِن ابنِ لهيعَةَ، فنظرَ فيهِ فإذا ليسَ فيهِ حديثٌ واحدٌ منْ حديثِ ابنِ لهيعَةَ، فجاءَ إلى ابن لهيعَة فأخبرَهُ بذلكَ، فقالَ: ما أصنَعُ، يَجِيئونَ بِكتابٍ فَيقُولونَ هَذا مِنْ حديثكَ؛ فأحَدّثُهُمْ بهِ (¬3).
ومثلُ هذا واقِعٌ منْ شُيُوخ زَمَانِنا (¬4) يجيءُ إلى أحَدِهِمْ الطَّالِبُ / 210 أ / بِجُزْءٍ أو كتابٍ فيقولُ: هذا روايتُكَ، فَيُمَكِّنُهُ من قراءتِهِ عليهِ مُقلِّداً لهُ من غيرِ أنْ يَبحثَ بحيثُ تحصُلُ لهُ الثِّقَةُ بصِحَّةِ ذلكَ. والصَّوابُ ما عليهِ الجمهورُ، وهوَ التَّوسُّطُ بينَ الإفْرَاطِ والتَّفريطِ)) (¬5).
قولهُ: (المَنْعُ) (¬6)، أي: منعُ الروايةِ للكتابِ دون الحفظِ، وإن رأى سماعَهُ في كتابٍ وتذكّرَهُ جازتِ الروايةُ، بأن يحفظَ حينئذٍ المسموعَ إن لم يكنْ يحفظُهُ ويرويهِ، وإن لم يذكرْهُ لم يجزَ لهُ روايةَ المسموعِ، لا حفظاً ولا غيرَهُ، كالشّهادةِ.
¬__________
(¬1) بفتح اللام وكسر الهاء، على وزن شريعة. انظر: التقريب (3563).
(¬2) نقل الزركشي في " نكته " 3/ 600 عن المزي قوله: ((هذه الحكاية فيها نظر؛ لأن ابن لهيعة من الأئمة الحفاظ لا يكاد يخفى عليه مثل هذا، وإنما تكلم فيه من تكلم بسبب من الرواة عنه فمنهم من هو عدل كابن المبارك ونحوه، ومنهم من هو غير عدل)).
هذه الحكاية وإن توقف فيها المزي؛ لكن ذكر الكثير في شأن تلقين ابن لهيعة. انظر: تهذيب التهذيب 5/ 334 - 335.
(¬3) انظر: كتاب المجروحين 2/ 13.
(¬4) قال الزركشي في " نكته " 3/ 601: ((إلحاقه شيوخ زماننا بمن سلف فيه نظر؛ لأن المقصود منهم بقاء السلسلة فقط، وأما الإسناد فغير منظور إليه في هذا الزمان)).
وانظر: محاسن الاصطلاح: 186.
(¬5) معرفة أنواع علم الحديث: 317 - 319.
(¬6) التبصرة والتذكرة (621).

الصفحة 196