كتاب النكت الوفية بما في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

الشّيخانِ (¬1) وغيرُهُمَا (¬2) عنْ أنسٍ - رضي الله عنه - وهذا لفظُ مسلمٍ قالَ: ((كنا نُهِينَا في القُرآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ شَيءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْل البَادِيَةِ، العَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمعُ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: ياَ مُحَمَّدُ، أتانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ [تَزْعُمُ] (¬3) أَنَّ الله أَرْسلَكَ؟ قَالَ: صَدَقَ ... )) الحديث.
قوله: (لأنكرَ عليهِ) (¬4) إنْ قيلَ عدمُ إنكارِهِ إنّمَا يفيدُ جوازَهُ، قيلَ: لما كانت الرحلةُ لهذا - المصاحبةُ لإجهادِ النّفسِ وإنفاقِ المالِ وإنضاءِ الظهرِ بعدَ إخبارِ رسولِهِ العدلِ - تشبهُ أنْ تكونَ تعنّتاً، وأقرّهُ عليها - صلى الله عليه وسلم - ولمْ ينهَ عنها، معَ تضمُنِهَا لفتحِ مَا ربما جرَّ إلى مفسدةِ التعنّتِ، عُلِمَ أنْ الإقرارَ لمصلحةٍ راجحةٍ وهي علوُّ الإسنادِ والانتقالُ منَ الظنِّ إلى القطعِ، وهكذا كلّ سندٍ، فإنَّ الراويَ / 254 ب / إذا سَمِعَ الحديثَ عنْ موجودٍ أفادَهُ سماعُهُ الظنَّ بأنَّ ذلكَ الموجودَ قالَهُ، فإذا رَحَلَ إليهِ وسمعَهُ منهُ قطعَ بأنّهُ قالَهُ، فإنْ قيلَ: إنّمَا جاءَ ليتشرفَ برؤيةِ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قيلَ: لا يمنعُ أنْ يكونَ ذلكَ منْ مقاصدِهِ لكنَّ ابتداءهُ قدومهِ بالسؤالِ وهوَ واقفٌ، ورجوعه عقبَ فراغهِ منْ غيرِ مُكثٍ لحظةً واحدةً بعدَهُ يدلُّ على أنَّ المقصودَ الأعظمَ إنّما هو علوّ الإسنادِ.
¬__________
(¬1) الحديث في: صحيح البخاري 1/ 24 (63)، وصحيح مسلم 1/ 32 (10) و (11) و (12).
(¬2) إذ أخرجه: أحمد 3/ 143 و168 و193، وعبد بن حميد (1285)، والدارمي (656)، وأبو داود (486)، وابن ماجه (1402)، والترمذي (619)، والنسائي 4/ 121 و122 وفي " الكبرى "، له (2401) و (5863)، وابن خزيمة (2358)، وابن حبان (154) من طريقين عن أنس بن مالك، به.
(¬3) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " صحيح مسلم ".
(¬4) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 59، وهو من كلام الحاكم في " معرفة علوم الحديث ": 6.

الصفحة 405