كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
الصَّحِيحِ. ثُمَّ لَمَّا طَالَبَهُمْ (¬1) لِسَانُ الْحَالِ بِالْحُجَّةِ، أخذوا كلام المجيب وهم لا يعلمونه (¬2)، وقوَّلوه مَا لَا يَرْضَى بِهِ العلماءُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كَلَامٍ آخَرَ؛ إِذ سُئِلَ عن ذكر فقراء زماننا، فأَجاب بأَن الغالب في (¬3) مجالس الذكر المذكورة في الأَحاديث أَنها هِيَ (¬4) الَّتِي يُتْلَى (¬5) فِيهَا الْقُرْآنُ، وَالَّتِي يُتَعَلَّم فِيهَا الْعِلْمُ وَالدِّينُ، وَالَّتِي تُعمر بِالْوَعْظِ (¬6) وَالتَّذْكِيرِ بِالْآخِرَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ كَمَجَالِسِ (¬7) سُفْيَانَ الثوري، والحسن، وابن سيرين، وأَضرابهم.
وأما (¬8) مَجَالِسُ الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ: فَقَدْ صُرِّح بِهَا فِي (¬9) حَدِيثِ الْمَلَائِكَةِ السَّيَّاحين (¬10)، لَكِنْ لَمْ يُذكر فِيهِ جهر (¬11) بِالْكَلِمَاتِ، وَلَا رَفْعَ أَصوات، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ. لَكِنَّ الأَصل الْمَشْرُوعَ إِعلان الْفَرَائِضِ وَإِخْفَاءُ النَّوَافِلِ، وأَتى بِالْآيَةِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا *} (¬12)، وَبِحَدِيثِ: "أَربعوا عَلَى أَنفسكم" (¬13). قَالَ: وفقراءُ الْوَقْتِ قد تحيَّزوا (¬14) بآيات (¬15)،
¬_________
(¬1) في (غ) و (ر): "طلبهم".
(¬2) في (خ): "لا يعلمون".
(¬3) قوله: "الغالب في" ليس في (خ) و (م).
(¬4) قوله: "هي" ليس في (غ) و (م) و (ر).
(¬5) في (خ): "يختلا". وعلق عليها رشيد رضا بقوله: في الأصل: "يختلا" هكذا، فصححها ناسخ الورق الذي نطبع عنه، فجعلها: "يختلى"، وكلاهما غلط. اهـ.
(¬6) في (خ): "بالعلم" بدل "بالوعظ".
(¬7) في (غ) و (ر): "كمجاليس".
(¬8) في (خ) و (م): "أما".
(¬9) قوله: "في" ليس في (ر) و (غ).
(¬10) أخرجه الإمام أحمد (2/ 251 ـ 252)، والترمذي (3600) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ـ أو عن أبي سعيد، هو شكّ، يعني الأعمش ـ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: "إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض، فُضُلاً عن كتّاب الناس، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تبادروا: هلمّوا إلى بغيتكم ... " الحديث بطوله.
وقد أخرجه البخاري (6408) من طريق جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ـ ولم يشك ـ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق ... " الحديث.
وأخرجه مسلم (2689) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة ... " الحديث.
(¬11) في (خ): "جهراً".
(¬12) سورة مريم: الآية (4).
(¬13) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(¬14) في (خ) و (م): "تخيروا".
(¬15) في (غ): "بئات"، وفي (م): يشبه أن تكون: "بنات".