كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
النفوس، وتنبيهاً للرواحل أَن تنهض بأثقالها (¬1)، وَهَذَا حَسَنٌ، لَكِنَّ الْعَرَبَ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ تَحْسِينِ النَّغَمَات مَا يَجْرِي مَجْرَى مَا النَّاسُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، بَلْ كَانُوا يُنْشِدُونَ الشِّعْرَ مطلقاً من غير أَن يَعْتَمِلُوا (¬2) هَذِهِ التَّرْجيعات الَّتِي حَدَثَتْ بِعَدَهُمْ، بَلْ كَانُوا يرقِّقون الصوت ويُمَطِّطُونه على وجهٍ يَلِيقُ بأُمّية (¬3) الْعَرَبِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا صَنَائِعَ الْمُوسِيقَى (¬4)، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلذاذ (¬5) وَلَا إِطراب يُلْهِي، وإنما كان لهم فيه (¬6) شيء من النشاط؛ كما كان أَنْجَشَةُ (¬7) وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَحْدُوَانِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (¬8)، وَكَمَا كَانَ الأَنصار يَقُولُونَ عِنْدَ حَفْرِ (¬9) الْخَنْدَقِ:
نَحْنُ الَّذين (¬10) بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبداً
فيجيبهم رسول الله (¬11) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ (¬12): اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ (¬13) ".
وَمِنْهَا: أَن يتمثَّل الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ أَو الأَبيات مِنَ الْحِكْمَةِ فِي نَفْسِهِ لِيَعِظَ نَفْسَهُ، أَو يُنَشِّطها، أَوْ يُحَرِّكها لِمُقْتَضَى مَعْنَى الشِّعْرِ، أَو يذكرها لغيره (¬14) ذِكْرًا مُطْلَقًا؛ كَمَا حَكَى أَبو الْحَسَنِ القَرَافي الصُّوفي عن الحسن: أَن قوماً
¬_________
(¬1) في (خ) و (م): "في أثقالها".
(¬2) في (خ) و (م): "يتعلموا".
(¬3) علق رشيد رضا هنا بقوله: لعله: "لا يليق".اهـ.
(¬4) في (خ) و (م): "المويسقي".
(¬5) في (م): "لداد".
(¬6) "فيه" زيادة من (غ).
(¬7) في (م): "نحشة".
(¬8) أما حديث عبد الله بن رواحة: فتقدم تخريجه (ص103). وأما حديث أنجشة: فأخرجه البخاري في "صحيحه" (6149 و6161 و6202 و6210 و6211)، ومسلم (2323)، كلاهما من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال له: أنجشة يحدو، فقال له رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أنجشة! رويدك سوقاً بالقوارير".
(¬9) قوله: "حفر" سقط من (ر)، واستدرك في الهامش، ولم يتَّضح جيداً في التصوير.
(¬10) في (خ): "الذون".
(¬11) قوله: "رسول الله" ليس في (خ).
(¬12) قوله: "بقوله" من (خ) فقط.
(¬13) أخرجه البخاري (2834 و2835)، ومسلم (1805).
(¬14) قوله: "لغيره" ليس في (خ).
الصفحة 114