كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

ذَلِكَ مَرَّةً أُخرى لَمْ تَصْحَبْنِي. فَكَانَ إِذا سَمِعَ شَيْئًا يَتَغَيَّرُ، وَيَضْبِطُ نَفْسَهُ حَتَّى كَانَ يقطر كلّ شعرة من بدنه بِقَطْرةٍ (¬1)، فَيَوْمًا مِنَ الأَيام صَاحَ صَيْحَةً تَلِفَتْ نَفْسُهُ (¬2).
فَهَذَا الشَّابُّ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ مِصْدَاقُ مَا قَالَهُ السَّلَفُ؛ لأَنه لَوْ كَانَتْ صَيْحَتُهُ الأُولى غَلَبَةً (¬3) لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِ نَفْسِهِ، وإِن كَانَ بِشِدَّةٍ، كَمَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِ نَفْسِهِ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْم (¬4)، وَعَلَيْهِ أَدّبه الشَّيْخُ (¬5) حِينَ أَنكر عليه وأوعده (¬6) بالفُرْقَةِ، إِذْ فَهِمَ مِنْهُ أَن تِلْكَ الزَّعْقَةَ مِنْ بَقَايَا رُعُونَةِ النَّفْسِ، فَلَمَّا خَرَجَ الأَمر عَنْ كَسْبِهِ (¬7) ـ بِدَلِيلِ مَوْتِهِ ـ، كَانَتْ صَيْحَتُهُ عَفْوًا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهَا إِن شاءَ اللَّهُ.
بِخِلَافِ هؤلاءِ الْقَوْمِ (¬8) الَّذِينَ لَمْ يشُمُّوا مِنْ أَوصاف الفضلاءِ رائحة، فأَخذوا في التشبُّه (¬9) بهم، فأَبرز لهم هواهم التشبه بالخوارج، وياليتهم وقفوا عند هذا الحدّ المذموم، ولكنهم (¬10) زادوا على ذلك الرَّقْص والزَّفَن (¬11) وَالدَّوَرَانَ وَالضَّرْبَ عَلَى الصُّدُورِ، وَبَعْضُهُمْ يَضْرِبُ عَلَى رأْسه، وَمَا أَشبه ذَلِكَ مِنَ الْعَمَلِ الْمُضْحِكِ للحمقى، لكونه من أَعمال الصبيان
¬_________
(¬1) في (خ): "حَتَّى كَانَ يَقْطُرُ الْعَرَقُ مِنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ من بدنه قطرة".
(¬2) أخرج هذه الحكاية القشيري في "الرسالة" (ص204) عن شيخه أبي حاتم السجستاني؛ قال: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت عبد الواحد بن علوان يقول: كان شاب يصحب الجنيد ... ، فذكرها.
وذكرها أيضاً الغزالي في "الإحياء" (2/ 302)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في "الاستقامة" (1/ 399).
(¬3) في (خ): "غلبته".
(¬4) في (خ) و (م): "خيثم".
(¬5) كتب في (خ) بخط دقيق فوق كلمة "الشيخ": (أي الجنيد).
(¬6) في (خ) و (م): "ووعده".
(¬7) في (غ) و (ر): "على كسبه".
(¬8) في (ر) و (غ): "الفقراء".
(¬9) في (خ) و (م): "بالتشبه".
(¬10) في (خ): "ولكن".
(¬11) الزّفَن: هو الرقص، وأصله: اللعب والدفع والضرب بالرجل. انظر: "لسان العرب" (13/ 197)، و"التعاريف" للمناوي (ص386 ـ 387).

الصفحة 127