كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
فقال الإمام العالم السني أبو بكر الآجُرِّي (¬1) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (¬2): مَيِّزوا هَذَا الْكَلَامَ؛ فَإِنَّهُ (¬3) لم يقل (¬4): صَرَخْنا من موعظته، وَلَا زَعَقْنا (¬5)، وَلَا طَرَقْنا عَلَى رَؤُوسِنَا، وَلَا ضَرَبْنَا عَلَى صُدُورِنَا، وَلَا زَفَنّا، وَلَا رَقَصْنَا ـ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ؛ يَصْرُخُونَ عِنْدَ الْمَوَاعِظِ وَيَزْعَقُونَ، وَيَتَغَاشَوْنَ (¬6) ـ. قَالَ: وَهَذَا (¬7) كُلُّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ يَلْعَبُ بِهِمْ، وَهَذَا كُلُّهُ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ، وَيُقَالُ (¬8) لِمَنْ فَعَلَ هَذَا:
اعْلَمْ (¬9) أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصدق النَّاسِ مَوْعِظَةً، وأَنصح النَّاسَ لأُمته، وأَرقّ النَّاسِ قَلْبًا، وَخَيْرَ الناس: من (¬10) جاءَ بعده ـ ولا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ عَاقِلٌ ـ، مَا صَرَخُوا عِنْدَ موعظته، ولا زَعَقُوا، ولا رقصوا، ولا زَفَنُوا، وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانُوا أَحقَّ النَّاسِ بِهَذَا (¬11) أَن يَفْعَلُوهُ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنَّهُ بِدْعَةٌ وَبَاطِلٌ وَمُنْكَرٌ فَاعْلَمْ ذَلِكَ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ وَاضِحٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
وَلَا بُدَّ مِنَ النظر في الأَمر (¬12) الْمُوجِبِ للتأَثُّر الظَّاهِرِ فِي السَّلَفِ الأَوَّلين مَعَ هؤلاءِ المُدَّعين، فَوَجَدْنَا الأَوّلين يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الأَثر بسبب سماع (¬13) ذكر الله تعالى، وَبِسَبَبِ سَمَاعِ (¬14) آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (¬15)، وَبِسَبَبِ رُؤْيَةٍ اعتباريَّة؛ كَمَا فِي قِصَّةِ الرَّبِيعِ عِنْدَ رؤيته للحدَّاد وللأَتُّون (¬16) ـ وَهُوَ مَوْقَدُ النَّارِ ـ، وَلِسَبَبِ قراءَةٍ فِي صَلَاةٍ أَو غيرها، ولم نجد أَحداً
¬_________
(¬1) قوله: "الآجري" متقدم في (خ) على قوله: "العالم".
(¬2) مظنَّة كلام الآجري هذا: كتابه "أخلاق أهل القرآن"، ولم أجد فيه هذا الكلام، ونقل بعضه ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص281).
(¬3) قوله: "فإنه" من (خ) فقط.
(¬4) في (غ): "يقولوا".
(¬5) قوله: "ولا زعقنا" ليس في (خ).
(¬6) في (خ): "ويتناشون".
(¬7) في (ر) و (غ): "هذا".
(¬8) في (غ) و (ر) و (م): "يقال".
(¬9) في (م): "علم".
(¬10) في (غ): "فمن"، وفي (ر): "ممن".
(¬11) في (خ): "أحق الناس به".
(¬12) في (خ): "الأمر كله".
(¬13) قوله: "سماع" ليس في (خ).
(¬14) في (خ): "ذكر الله أو بسماع".
(¬15) قوله: "وبسبب سماع آية من كتاب الله" مكرر في (غ).
(¬16) في (خ): "والأتون".
الصفحة 130