كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

مِنْهُمْ ـ فِيمَا نَقَلَ العلماءُ ـ يَسْتَعْمِلُونَ الترنُّم بالأَشعار لِتَرِقَّ نُفُوسُهُمْ، فتتأَثر ظَوَاهِرُهُمْ، وَطَائِفَةُ الفقراءِ عَلَى الضدّ منهم؛ فإِنهم يسمعون (¬1) الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَالْوَعْظَ وَالتَّذْكِيرَ فَلَا تتأَثر ظَوَاهِرُهُمْ (¬2)، فإِذا قام المُزَمْزِمُ (¬3) تسابقوا (¬4) إلى حركاتهم المعروفة لهم، فَبِالْحَرِيِّ أَن لا يتأَثَّروا إلا (¬5) عَلَى تِلْكَ الْوُجُوهِ الْمَكْرُوهَةِ الْمُبْتَدَعَةِ؛ لأَن الْحَقَّ لَا يُنْتِجُ إِلا حَقًّا، كَمَا أَن الْبَاطِلَ لَا يُنْتِجُ إِلا بَاطِلًا.
وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَنْبَنِي النَّظَرُ فِي حَقِيقَةُ الرِّقَّة الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ المحرِّكة لِلظَّاهِرِ. وَذَلِكَ أَن الرِّقَّةَ ضِدُّ الْغِلَظِ، فتقول: هَذَا رَقِيقٌ لَيْسَ بِغَلِيظٍ، وَمَكَانٌ رَقِيقٌ: إِذَا كان ليِّن التراب، ضدُّه (¬6) الغليظ، فإِذ وُصِفَ بِذَلِكَ الْقَلْبُ (¬7) فَهُوَ رَاجِعٌ إِلى لِينِهِ وتأَثره ضِدُّ الْقَسْوَةِ، ويُشْعِر بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (¬8)؛ لأَن القلب الرقيق إذا وردت عَلَيْهِ الْمَوْعِظَةُ خَضَعَ لَهَا وَلاَنَ وانْقَادَ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} (¬9)؛ فإِن الوَجَلَ تأَثُّرٌ وَلِينٌ يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ بِسَبَبِ الْمَوْعِظَةِ، فَتَرَى الْجِلْدَ مِنْ أَجل ذَلِكَ يَقْشَعِرّ، وَالْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَاللِّينُ إِذا حلَّ بِالْقَلْبِ ـ وهو باطن الإِنسان ـ، وَحَلَّ (¬10) بِالْجِلْدِ بِشَهَادَةِ اللَّهِ ـ وَهُوَ ظَاهِرُ الإِنسان ـ، فَقَدْ حَلَّ الِانْفِعَالُ بِمَجْمُوعِ الإِنسان، وَذَلِكَ يَقْتَضِي السُّكُونَ لا الحركة والانزعاج، والسكوت لا الصياح،
¬_________
(¬1) في (خ) و (م): "يستعملون".
(¬2) من قوله: "وطائفة الفقراء" إلى هنا مُكرر في (خ).
(¬3) في (خ): "المزمر". والزَّمْزَمَةُ: الأصوات التي تدار وتتابع من الخياشيم والحلوق ولا تكاد تفهم، ويقال لصوت الرَّعد إذا تتابع: زَمْزَمَة، وزَمْزَمَ الأسد: إذا صوَّت، وَتَزَمْزَمَتْ الإبل: إذا هدرت، وفرس مُزَمْزِمٌ في صوته: إذا كان يطرِّب فيه. انظر "لسان العرب" (12/ 273 ـ 274).
(¬4) في (غ) و (ر) و (م): "سابقوا"، والمثبت من (خ).
(¬5) قوله: "إلا" ليس في (خ).
(¬6) في (خ): "ومثله" بدل: "ضده".
(¬7) قوله: "القلب" ليس في (خ).
(¬8) سورة الزمر: آية (23).
(¬9) سورة الأنفال: آية (2)، وقوله تعالى: "قلوبهم" ليس في (ر) و (غ).
(¬10) في (خ): "حل".

الصفحة 131