كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

وَالتَّطْرِيبُ: مَدُّ الصَّوْتِ وَتَحْسِينُهُ.
وَبَيَانُهُ: أَن الشِّعْرَ الْمُغَنَّى بِهِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أَمرين:
أَحدهما: مَا فِيهِ مِنَ (¬1) الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْقُلُوبِ، فَفِيهَا تَعْمَلُ وَبِهَا تَنْفَعِلُ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُنْسَبُ السَّمَاعُ إِلى الأَرواح.
وَالثَّانِي: مَا فِيهِ مِنَ النَّغَمات المُرَتَّبة عَلَى النِّسَب التَّلْحِينِيَّةِ، وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الطِّبَاعِ (¬2) فيُهيِّجها (¬3) إِلى مَا يُنَاسِبُهَا، وَهِيَ الْحَرَكَاتُ عَلَى اخْتِلَافِهَا، فَكُلُّ تأَثر في القلب من جهة السماع يحصُلُ (¬4) عنه آثار السكون وَالْخُضُوعِ فَهُوَ رِقَّة، وَهُوَ التَّوَاجُدُ الَّذِي أَشار إِليه كَلَامُ المُجِيبِ، وَلَا شَكَّ أَنه مَحْمُودٌ. وَكُلُّ تأَثُّر يَحْصُلُ عَنْهُ ضِدّ السُّكُون؛ فَهُوَ طَرَبٌ لَا رِقَّة فِيهِ (¬5) وَلَا تَوَاجُدَ، وَلَا هُوَ عِنْدَ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ مَحْمُودٌ، لَكِنَّ هؤلاءِ الفقراءِ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ التَّوَاجُدِ ـ فِي الْغَالِبِ ـ إِلا الثَّانِي الْمَذْمُومَ. فَهُمْ إِذاً مُتَوَاجِدُونَ بِالنَّغَمِ وَاللُّحُونِ، لَا يُدْرِكُونَ مِنْ مَعَانِي الْحِكْمَةِ شَيْئًا (¬6)، فَقَدْ بَاؤُوا (¬7) إِذاً بأَخسر الصَّفْقَتَيْنِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ.
وإِنما جاءَهم الْغَلَطُ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَاطِ المناطَيْن عَلَيْهِمْ، وَمِنْ جِهَةِ أَنهم استدلُّوا بِغَيْرِ دَلِيلٍ. فقوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} (¬8)، وَقَوْلُهُ: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} (¬9): لا دليل فيه على هذا الْمَعْنَى. وَكَذَلِكَ (¬10) قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا} (¬11): كذا (¬12) أَيْنَ فيه أَنهم قاموا
¬_________
=الأول: "وأراني طرباً في إثرهم"، والواله: الثاكل (وكان في نسختنا: الوالد). والمختبل ـ بفتح الباء ـ: من اختبل عقله؛ أي: جُنّ، (وكان في نسختنا: المتخيل). اهـ.
(¬1) قوله: "من" ليس في (م).
(¬2) في (خ): "الطبائع".
(¬3) في (ر) و (غ): "فتهيجها".
(¬4) في (خ): "تحصل".
(¬5) قوله: "فيه" من (خ) فقط.
(¬6) في (ر) و (غ): "شحة".
(¬7) في (م): "بانوا"، وفي (ر): "باءو".
(¬8) سورة الذاريات: الآية (50).
(¬9) سورة الكهف: الآية (18).
(¬10) في (غ): "وكذا".
(¬11) الآية: (14) من سورة الكهف. وقوله: "ربنا" من (خ) فقط.
(¬12) قوله: "كذا" ليس في (خ).

الصفحة 133