كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

دعوته (¬1) قصده: مطابق بحسب ما ذُكر أَوْ لا؛ فإن مَنْ (¬2) دَعَا قَوْمًا إِلى مَنْزِلِهِ لتعلُّم آيَةٍ أَو سُورَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (¬3)، أَو سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَو مُذَاكَرَةٍ فِي عِلْمٍ، أَو فِي نعم الله، أَو مؤانسة بشعر (¬4) فِيهِ حِكْمَةٌ لَيْسَ فِيهِ غناءٌ مَكْرُوهٌ وَلَا صَحِبَهُ شَطْحٌ وَلَا زَفَن وَلَا صِيَاحٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، ثُمَّ أَلْقَى إِليهم شيئاً مِنَ الطَّعَامِ (¬5) عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التكلُّف وَالْمُبَاهَاةِ، ولم يقصد بذلك بدعة، ولا امتيازاً بفرقة تَخْرُجُ بأَفعالها وأَقوالها عَنِ السُّنَّةِ (¬6)، فَلَا شَكَّ فِي اسْتِحْسَانِ ذَلِكَ؛ لأَنه دَاخِلٌ فِي حُكْمِ المأْدُبَةِ الْمَقْصُودِ بِهَا حُسْنَ العِشْرَةِ بَيْنَ الْجِيرَانِ (¬7) والإِخوان، والتودُّد بَيْنَ الأَصحاب، وَهِيَ فِي حُكْمِ الِاسْتِحْبَابِ، فإِن كَانَ فِيهَا تَذَاكُرٌ فِي عِلْمٍ أَو نَحْوِهِ، فَهِيَ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الخير.
ومثاله ما يحكى عن محمد بن خفيف؛ قَالَ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْقَاضِي عَلِيِّ بْنِ أَحمد، فَقَالَ لِي: يَا أَبا (¬8) عَبْدِ اللَّهِ! قلت (¬9): لبيك أَيها القاضي، فقال (¬10): هَاهُنَا أَحكي (¬11) لَكُمْ حِكَايَةً تَحْتَاجُ أَن (¬12) تَكْتُبَهَا بِمَاءِ الذَّهَبِ. فَقُلْتُ: أَيها الْقَاضِي! أَما الذَّهَبُ فَلَا أَجده، وَلَكِنِّي أَكتبها بِالْحِبْرِ الْجَيِّدِ. فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنه قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحمد بْنِ حَنْبَلٍ: إِنَّ الْحَارِثَ المُحَاسِبي يَتَكَلَّمُ فِي عُلُومِ الصُّوفِيَّةِ، وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالْآيِ، فَقَالَ أَحمد: أَحب أَن أَسمع كَلَامَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا أَجمعك مَعَهُ. فَاتَّخَذَ دَعْوَةً، وَدَعَا الْحَارِثَ وَأَصْحَابَهُ، وَدَعَا أَحمد. فَجَلَسَ أحمد (¬13) بِحَيْثُ يَرَى الْحَارِثَ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فتقدَّم وصلَّى بِهِمُ الْمَغْرِبَ، وأَحضر الطَّعَامَ، فَجَعَلَ يأْكل وَيَتَحَدَّثُ معهم، فقال أَحمد: هذا من السنة.
¬_________
(¬1) قوله: "في دعوته" من (خ) فقط.
(¬2) قوله: "من" ليس في (خ) و (م).
(¬3) لفظ الجلالة: "الله" ليس في (م).
(¬4) في (خ) و (م): "في شعر".
(¬5) في (غ): "طعام".
(¬6) علق رشيد رضا هنا بقوله: هذا خبر "بأن" في قول: بأن من دعى. اهـ.
(¬7) في (م): "الميزان" وكتب في الحاشية: "لعله الجيران".
(¬8) في (م): "فقال لي أبا".
(¬9) في (ر) و (غ): "فقلت".
(¬10) في (خ): "قال".
(¬11) قوله: "أحكي" من (خ) فقط.
(¬12) قوله: "أن" من (خ) فقط.
(¬13) قوله: "أحمد" ليس في (خ) و (م).

الصفحة 137