كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ وَغَسَلُوا أَيديهم جَلَسَ الْحَارِثُ وَجَلَسَ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: مَنْ أَراد مِنْكُمْ أَن يسأَل شَيْئًا فليسأَل، فَسُئِلَ عَنِ الإِخلاص، وعن الرياءِ، ومسائل كثيرة فأجاب عنها (¬1)، واستشهد بِالْآيِ وَالْحَدِيثِ، وأَحمد يَسْمَعُ لَا يُنْكِرُ شَيْئًا من ذلك. فلما مرَّ (¬2) هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ أَمر الْحَارِثُ قَارِئًا يقرأُ شَيْئًا من القرآن على الحَدْرِ (¬3)، فقرأَ، فبكى بعضهم وانْتَحَبَ آخَرُونَ، ثُمَّ سَكَتَ القارئُ، فَدَعَا الْحَارِثُ بِدَعَوَاتٍ خِفَافٍ، ثُمَّ قَامَ إِلى الصَّلَاةِ. فَلَمَّا أَصبحوا قال أَحمد: قد كان بلغني (¬4) أَن ها هنا مَجَالِسَ لِلذِّكْرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهَا، فإِن كَانَ هَذَا مِنْ تِلْكَ الْمَجَالِسِ فَلَا أُنكر مِنْهَا شَيْئًا (¬5).
فَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ أَن أَحوال الصُّوفِيَّةِ تُوزَنُ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ، وأَن مَجَالِسَ الذِّكْرِ لَيْسَتْ مَا زَعَمَ هؤلاءِ، بَلْ مَا تَقَدَّمَ لَنَا ذِكْرُهُ، وأَما (¬6) مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا اعْتَادُوهُ فَهُوَ مما يُنكر.
¬_________
(¬1) قوله: "فأجاب عنها" ليس في (خ).
(¬2) قوله: "مرّ" في موضعه بياض في (خ)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: بياض في الأصل، ولعل الساقط كلمة "مضى"، يقال: مضى هدء، وهدى من الليل، وجئتك بعد هدء من الليل. اهـ.
(¬3) في (غ) و (ر): "الحذَر"، وفي (خ) يشبه أن تكون: "الحدو"، والمثبت من (م).
(¬4) في (غ) و (ر): "يبلغني".
(¬5) هذه الحكاية أخرجها الحاكم ـ كما في "ميزان الاعتدال" (1/ 430)، و"طبقات الشافعية" لابن السبكي (2/ 279) ـ، فقال: سمعت أحمد بن إسحاق الصِّبْغي؛ سمعت إسماعيل بن إسحاق السراج يقول: قال لي أحمد بن حنبل: يبلغني أن الحارث هذا يكثر الكون عندك، فلو أحضرته منزلك وأجلستني في مكان أسمع كلامه ... ، ثم ذكر الحكاية، وفيها: ثم ابتدأ رجل منهم وسأل الحارث، فأخذ في الكلام ـ وكأن على رؤوسهم الطير ـ، فمنهم من يبكي، ومنهم من يخنّ، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه، فصعدت الغرفة، فوجدت أحمد قد بكى حتى غُشي عليه ... ، إلى أن قال: فلما تفرقوا قال أحمد: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا، وعلى هذا فلا أرى لك صحبتهم.
وأخرجها الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (8/ 214) من طريق محمد بن نعيم الضّبّي ـ وهو أبو عبد الله الحاكم ـ، عن أحمد بن إسحاق الصبغي، به.
قال الذهبي عقب ذكره لها في "الميزان": "قلت: إسماعيل وثّقه الدارقطني، وهذه حكاية صحيحة السند منكرة، لا تقع على قلبي، أستبعد وقوع هذا من مثل أحمد".
(¬6) في (ر) و (غ): "وأن".