كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ}؛ أَي: أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِهَا (¬1) فِي وَقْتِهَا ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ بَعْثِهِ وفَّيناه أَجره.
وإِنما قُلْنَا: إِنها فِي هَذَا الْوَجْهِ إِضافية؛ لأَنها لَوْ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً لَخَالَفُوا بِهَا شَرْعَهُمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ؛ لأَن هَذَا حَقِيقَةُ الْبِدْعَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بها أَجر، بل كانوا يستحقون بها (¬2) الْعِقَابَ لِمُخَالَفَتِهِمْ لأَوامر اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنهم إنما (¬3) فعلوا ما كان جائزاً لهم فعله، وعند ذلك تكون بدعتهم جائزاً لهم فعلها (¬4)، فَلَا تَكُونُ بِدْعَتُهُمْ حَقِيقِيَّةً، لَكِنَّهُ يُنْظَرُ عَلَى أَي مَعْنَى أُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْبِدْعَةِ، وسيأْتي بعدُ (¬5) بِحَوْلِ اللَّهِ.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الأُمة مِنْهُ حُكْمٌ؛ لأَنه قد (¬6) نُسِخَ فِي شَرِيعَتِنَا، فَلَا رهبانيَّة فِي الإِسلام (¬7)، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (¬8).
عَلَى أَن ابْنَ الْعَرَبِيِّ (¬9) نَقَلَ فِي الْآيَةِ أَربعة أَقوال: الأَول: مَا تَقَدَّمَ (¬10). وَالثَّانِي: أَن الرَّهْبَانِيَّةَ رَفْضُ النِّسَاءِ، وَهُوَ الْمَنْسُوخُ فِي شَرْعِنَا (¬11). وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا (¬12) اتخاذ الصوامع للعزلة. والرابع: أنها (¬13)
¬_________
(¬1) في (غ) و (ر): "عمل فيها".
(¬2) قوله: "بها" ليس في (خ).
(¬3) قوله: "إنما" ليس في (خ).
(¬4) من قوله: "وعند ذلك تكون" إلى هنا سقط من (خ).
(¬5) قوله: "بعد" ليس في (ر).
(¬6) قوله: "قد" ليس في (خ) و (م).
(¬7) يشير إلى الحديث الآتي تخريجه (ص212).
(¬8) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401)، كلاهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(¬9) في "أحكام القرآن" (4/ 1744).
(¬10) وهو ما سبق في حديث ابن مسعود (ص144)، والرهبانية فيه بمعنى اعتزال الخلق بالسياحة في الجبال والترهب فيها.
(¬11) في (غ) و (ر): "شريعتنا".
(¬12) قوله: "أنها" ليس في (خ).
(¬13) قوله: "أنها" سقط من (خ).

الصفحة 147