كتاب الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (اسم الجزء: 2)

السِّياحة. قَالَ: وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِليه فِي دِينِنَا عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ (¬1).
وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي (¬2) أَنها بِدْعَةٌ؛ لأَن الَّذِينَ ترهَّبوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ إِنما فَعَلُوا ذلك فراراً منهم بدينهم، ثم سُمِّيت (¬3) بِدْعَةً، وَالنَّدْبُ إِليها يَقْتَضِي أَن لَا ابْتِدَاعَ (¬4) فِيهَا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعَانِ؟ وَلَكِنْ للمسأَلة فِقْهُ (¬5) يُذكر بحول الله.
وقيل: إِن قوله (¬6) تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} معناه (¬7): أَنهم تَرَكُوا الْحَقَّ، وَأَكَلُوا لُحُومَ الْخَنَازِيرِ، وَشَرِبُوا الْخَمْرَ، وَلَمْ يَغْتَسِلُوا مِنْ جَنَابَةٍ، وَتَرَكُوا الْخِتَانَ، {فَمَا رَعَوْهَا} يعني: الطاعة والملة {حَقَّ رِعَايَتِهَا}، فالهاءُ رَاجِعَةٌ إِلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَهُوَ الْمِلَّةُ الْمَفْهُومُ (¬8) مَعْنَاهَا مِنْ قَوْلِهِ: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً}؛ لأَنه يَفْهَمُ مِنْهُ أَن ثَمَّ مِلَّةٌ مُتَّبَعَةٌ؛ كَمَا دَلَّ (¬9) قَوْلُهُ: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ *} (¬10) على معنى (¬11) الشَّمْسِ، حَتَّى عَادَ عَلَيْهَا (¬12) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تعالى: {حَتَّى (¬13) تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (¬14)، وَكَانَ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ عَلَى هَذَا (¬15) الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلُوهُ، وإِنما أَمرناهم بِالْحَقِّ، فَالْبِدْعَةُ فِيهِ إِذاً حَقِيقِيَّةٌ لَا إِضافية، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي قَالَ بِهِ أَكثر الْعُلَمَاءِ، فَلَا نَظَرَ فيه بالنسبة إِلى هذه الأُمة.
¬_________
(¬1) الذي في أحكام القرآن لابن العربي قوله: الثاني اتخاذ الصوامع للعزلة، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان، اهـ ولم يذكره عند السياحة كما في نقل الشاطبي عنه.
(¬2) قوله: "يقتضي" ليس في (غ).
(¬3) في (خ): "وسميت"، وفي هامش (م) ما نصه: "ولعلها: سماها".
(¬4) في (غ): "أن الابتداع".
(¬5) في (خ): "فقد"، ولذا أشكلت العبارة على رشيد رضا، فعلق على قوله: "للمسألة" فقال: كذا! ولعل كلاماً سقط من الناسخ هو "بيان"، أو نحوه. اهـ.
(¬6) في (خ): "معنى قوله".
(¬7) قوله: "معناه" ليس في (خ).
(¬8) في (م): "المفهومة".
(¬9) في (غ): "دل عليه".
(¬10) سورة ص: الآية (31). وقوله: "الصافنات الجياد" من (ر) فقط.
(¬11) قوله: "معنى" من (غ) و (ر) فقط.
(¬12) في (م): "عليه".
(¬13) قوله تعالى: "حتى" ليس في (خ).
(¬14) سورة ص: الآية (32). وعلق رشيد رضا رحمه الله على هذا الموضع بقوله: في تفسير الآية وجه آخر، وهو: أن ضمير "توارت" يرجع إلى الخيل التي عبر عنها بلفظ الخيل. وكذلك ضمير "ردوها علي"، وهذا الوجه أصح لفظاً ومعنى. اهـ.
(¬15) قوله: "هذا" ليس في (غ) و (ر).

الصفحة 148